
ثقافة الظهور أم ثقافة القيمة؟ حين يصبح الجمهور بديلاً عن الوعي
عماد خالد رحمة
برلين
من أخطر مظاهر الاختلال في الحياة الثقافية المعاصرة أن تنقلب العلاقة بين القيمة والظهور؛ فبدلاً من أن يكون الحضور العام ثمرةً للمعرفة والإبداع والموقف، يصبح الظهور غايةً قائمة بذاتها، وتُستدعى الأفكار وتُصطنع المواقف وتُفصَّل الخطابات لتوفير المبررات اللازمة للبقاء تحت الضوء. عندئذ لا يعود السؤال: ماذا أضاف المثقف إلى الوعي الجمعي؟ بل: كم مرة ظهر؟ وكم شخصاً صفق له؟ وكم مساحةً احتلها في ذاكرة الجمهور العابرة؟
إننا أمام ظاهرة تتجاوز حدود السلوك الفردي إلى أزمة ثقافية واجتماعية تمسّ مفهوم المثقف ووظيفته، وتكشف عن تحوّل عميق في معايير الاعتراف والشرعية داخل الفضاء العام.
أولاً: حين يتقدم الحضور على المعرفة
ليس الظهور في ذاته عيباً، ولا الحضور الجماهيري نقيضاً للثقافة؛ فالأفكار تحتاج إلى منابر، والمعرفة تحتاج إلى فضاء تتفاعل فيه مع المجتمع. لكن الخلل يبدأ حين ينفصل الحضور عن القيمة، ويصبح الانتشار معياراً للتميز، بصرف النظر عن عمق الفكرة أو أصالة الرؤية أو جدية الإضافة المعرفية.
هنا يتبدل دور المثقف من منتج للمعرفة إلى مستهلك للاهتمام، ومن صاحب مشروع فكري إلى أسير للصورة التي يرغب الآخرون في رؤيتها. وقد يجد نفسه مضطراً إلى تكرار مواقفه، وتضخيم حضوره، ومجاراة الذائقة السائدة، بل افتعال الاختلاف أحياناً، كي لا يغادر دائرة الضوء.
إن أخطر ما في هذا التحول أن المثقف قد يبدأ بتعديل أفكاره لا استجابةً لمقتضيات البحث والحقيقة، بل استجابةً لمقتضيات التصفيق والانتشار.
ثانياً: الجمهور بوصفه مصدراً بديلاً للشرعية
في المجتمعات التي تضطرب فيها معايير الاعتراف الثقافي، تتقدم العلاقات الشخصية، والتكتلات، والمجاملات المتبادلة، ومنظومات الترويج، على حساب الكفاءة والاستقلال المعرفي. ويصبح الانتماء إلى جماعة أو شبكة من العلاقات شرطاً غير معلن للحصول على الاعتراف، حتى لو لم يكن لدى صاحب الحضور مشروع فكري متماسك.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل: أن يتحول المثقف، الذي يفترض أن يمتلك استقلاله النقدي، إلى تابع لنظرة الجماعة، يستمد منها إحساسه بوجوده، ويقيس قيمته بمقدار ما تمنحه من اهتمام.
والأشد إشكالية أن تتحول الجماعة الثقافية من فضاء للحوار والتفاعل وتبادل المعرفة إلى دائرة مغلقة لإنتاج الشرعية المتبادلة؛ يزكي أفرادها بعضهم بعضاً، ويتبادلون الألقاب والمواقع والشهادات المعنوية، بينما تتراجع الأسئلة الجادة، ويغيب الاختلاف الخلاق، ويصبح النقد تهديداً للتضامن المصطنع.
لكن الثقافة الحقيقية لا تُبنى بتبادل الاعترافات، وإنما بقدرتها على إنتاج معرفة قابلة للنقاش والاختبار والمساءلة.
ثالثاً: وسائل التواصل وتضخم الأنا الثقافية
أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في إعادة تشكيل العلاقة بين المثقف والجمهور. فقد أتاحت فرصاً واسعة لنشر المعرفة وتجاوز احتكار المنابر التقليدية، لكنها في الوقت نفسه أوجدت اقتصاداً جديداً للاهتمام، تُقاس فيه المكانة أحياناً بعدد المتابعين والتفاعلات والمشاهدات.
وليس الخطر في التكنولوجيا ذاتها، بل في طريقة توظيفها وفي المعايير التي تنتجها وتعيد تكريسها. فقد أصبح بعض الخطاب الثقافي أقرب إلى الاستعراض منه إلى التفكير، وأضحت الصورة أحياناً أكثر أهمية من النص، واللقب أكثر حضوراً من المنجز، والاحتفاء أكثر إغراءً من المراجعة النقدية.
وهكذا تتشكل ثقافة الاستهلاك الرمزي، حيث لا يُطلب من المثقف أن يضيف بالضرورة إلى المعرفة، بقدر ما يُطلب منه أن يظل حاضراً في المشهد. وقد يتحول حضوره المتكرر إلى بديل عن مشروعه، وتغدو كثافة الظهور ستاراً يخفي فقر المضمون.
رابعاً: المثقف وقضية المجتمع
إن وظيفة المثقف لا تختزل في إنتاج النصوص أو احتلال المنابر أو جمع الألقاب، بل تتصل بمسؤوليته تجاه الحقيقة والإنسان والمجتمع. فالمثقف الذي يفقد صلته بقضاياه، ويستبدل بها الانشغال بصورته ومكانته، يخسر تدريجياً مبرر وجوده الثقافي.
ولا يعني ذلك أن المثقف مطالب بالتخلي عن حقه في الاعتراف أو التقدير، فهما حاجتان إنسانيتان مشروعتان، وإنما أن يدرك أن الاعتراف ينبغي أن يكون نتيجةً لعمله، لا بديلاً عنه، وأن القيمة لا تُستمد من كثافة الحضور، بل من نوعية الأثر الذي يتركه في الوعي والحياة.
فكم من مفكر غاب اسمه عن واجهات الاحتفاء، لكنه ظل حاضراً في بنية المعرفة، وكم من اسم ملأ المنابر زمناً، ثم انطفأ بانطفاء المناسبة التي حملته. إن الزمن الثقافي لا يحتفظ دائماً بمن ظهر أكثر، بل بمن امتلك ما يستحق البقاء.
خامساً: من استعراض الذات إلى استعادة المعنى
إن تجاوز هذه الأزمة يقتضي إعادة الاعتبار إلى معايير ثقافية أكثر نزاهة: استقلال الرأي، وعمق المعرفة، وأصالة المنجز، واحترام الاختلاف، والقدرة على مراجعة الذات. كما يقتضي تحرير المؤسسات الثقافية من منطق المجاملة والمحاصصة الرمزية، وإعادة بناء العلاقة بين المثقف والمجتمع على أساس الحوار والإنتاج والمسؤولية.
فليس المطلوب إقصاء أصحاب الحضور الجماهيري، ولا التقليل من أهمية الانتشار، وإنما وضع كل شيء في موضعه الصحيح: أن يكون الظهور وسيلةً لإيصال الفكرة، لا أن تصبح الفكرة وسيلةً لتسويق الظهور.
_ أيّهما نريد، مثقفاً أم صورةً لمثقف؟
لعل السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم ليس كم مثقفاً لدينا، ولا كم منبرٍ يتصدرون، بل: كم مشروعاً فكرياً حقيقياً ينتجونه؟ وكم سؤالاً جريئاً يطرحونه؟ وكم مساحةً يفتحونها أمام العقل كي يتحرر من المسلمات والتابعيات؟
فالثقافة التي تبحث عن جمهور قبل أن تبحث عن الحقيقة، قد تنجح في صناعة المشهد، لكنها تعجز عن صناعة الوعي. والمثقف الذي يستمد شرعية وجوده من نظرة الآخرين، دون أن يمتلك استقلاله المعرفي، يظل أسير مرآة لا يرى فيها سوى صورته.
إن الإفلاس الثقافي لا يبدأ حين يقلّ عدد المتابعين، بل حين يصبح المتابعون هم الغاية، وحين يتراجع السؤال عن قيمة ما ننتج لمصلحة السؤال عن مقدار ما نُرى.
فهل نحن أمام وعي يسعى إلى تغيير الواقع الثقافي، أم أمام فراغ يبحث عن جمهور يمنحه وهم الامتلاء؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي للثقافة، وللمثقف الذي يريد أن يكون شاهداً على عصره وصانعاً لأسئلته، لا مجرد عابرٍ في أضواء المشهد.
