للذهاب الى صفحة الكاتب   

وجهة العالم الغربي بعد موجة الحراك الاحتجاجي في شوارع ومدن بعض الدول الأوروبية

د. زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

 

مقدمة

شهدت القارة الأوروبية في خريف عام 2026 موجة احتجاجية واسعة النطاق اجتاحت شوارع ومدن عدد من دولها الرئيسية، من باريس وليون ومرسيليا إلى برلين وفرانكفورت وكولونيا، مروراً بروما وميلانو وتورينو، ومدريد ولشبونة وبروكسل وتيرانا وبلغراد. قاد هذه الموجة بشكل أساسي جيل الشباب المعروف بجيل زد، وانضمت إليه قطاعات أخرى من الطلاب والنقابات والعمال والمتقاعدين والمزارعين في بعض الحالات. تركزت المطالب على ارتفاع تكاليف المعيشة، وأزمة السكن، وتدهور الخدمات العامة وخاصة التعليم، والشعور بتراجع الفرص الاقتصادية مقارنة بالأجيال السابقة، إلى جانب اعتراضات على زيادة الإنفاق العسكري وإمكانية العودة إلى التجنيد الإلزامي في بعض الدول. تحولت بعض التظاهرات السلمية إلى مواجهات عنيفة وأعمال نهب وحرائق في مدن فرنسية وإيطالية وألمانية، مما دفع الحكومات إلى نشر قوات أمنية مكثفة. من منظور جيوسياسي، لا تمثل هذه الموجة مجرد اضطراب اجتماعي داخلي عابر، بل تعكس تصدعات عميقة في العقد الاجتماعي الغربي، وتضع العالم الغربي أمام خيارات استراتيجية حاسمة تتعلق بتماسكه الداخلي، وقدرته على الحفاظ على دوره العالمي، وعلاقاته مع القوى الصاعدة والمنافسين، وإدارة التحديات الأمنية والاقتصادية المتشابكة. تتناول هذه الدراسة بالتحليل المعمق الآثار الجيوسياسية لهذه الاحتجاجات على وجهة العالم الغربي، مستعرضة السياقات الداخلية والخارجية، والسيناريوهات المحتملة للتطور. فما أسباب اندلاع الاحتجاجات؟

 

السياق التاريخي والاجتماعي للموجة الاحتجاجية

اندلعت الشرارة الأولى في فرنسا أواخر سبتمبر 2026 باحتجاجات طلابية على نقص المدرسين وتدهور المنشآت التعليمية، ثم اتسعت لتشمل مطالب أوسع تتعلق بغلاء المعيشة وأسعار الوقود والميزانيات التقشفية. انضمت إليها حركات سابقة مثل السترات الصفراء والنقابات، ووصلت ذروتها في أكتوبر بتظاهرات جمعت مئات الآلاف، تخللتها أعمال عنف في عدة مدن. انتقلت العدوى بسرعة إلى إيطاليا حيث اندلعت احتجاجات طلابية وعمالية حول تكاليف الوقود والأجور، وإلى إسبانيا والبرتغال حيث سيطرت أزمة السكن على المشهد، وإلى ألمانيا حيث نظم شباب جيل زد تظاهرات ضد ارتفاع التكاليف وإمكانية إعادة التجنيد والإنفاق العسكري، وإلى ألبانيا وصربيا حيث ارتبطت الاحتجاجات بمطالب مكافحة الفساد وتحسين التعليم. في صربيا، ساهمت الاحتجاجات الطلابية المستمرة في تغيير سياسي ملموس عبر الانتخابات. لذلك تعكس هذه الموجة تراكم أزمات متعددة: تباطؤ النمو الاقتصادي، وارتفاع التضخم المدفوع جزئياً بصدمات الطاقة الناتجة عن التوترات الدولية، والضغط على الميزانيات العامة بسبب زيادة الإنفاق الدفاعي في ظل الحرب في أوكرانيا والتوترات مع روسيا، وتراجع الاستثمار في الخدمات الاجتماعية. يشعر جيل الشباب بأن المستقبل معلق، وأن الوعود بالازدهار التي ميزت مرحلة ما بعد الحرب الباردة لم تتحقق بالنسبة إليهم. هذا الشعور بالإقصاء يولد غضباً سياسياً يتجاوز المطالب المادية ليصل إلى التشكيك في شرعية النخب الحاكمة والمؤسسات الأوروبية نفسها.

 

التداعيات الداخلية على تماسك العالم الغربي

على المستوى الداخلي، تهدد الموجة الاحتجاجية استقرار الأنظمة السياسية الليبرالية في أوروبا الغربية. ففي فرنسا، تضع الاحتجاجات الحكومة أمام معضلة مزدوجة: الاستجابة للمطالب الاجتماعية قد يعمق العجز المالي، بينما القمع الأمني يغذي مزيداً من الغضب. وفي ألمانيا، تكشف الاحتجاجات عن توتر بين ضرورات إعادة التسلح في مواجهة التهديد الروسي وبين الرفض الشعبي لزيادة الأعباء. أما في إسبانيا وإيطاليا والبرتغال، فتعزز الاحتجاجات فرص صعود الأحزاب الشعبوية اليمينية أو اليسارية التي تستغل الغضب من غلاء المعيشة وأزمة السكن. جيوسياسياً، يؤدي هذا التصدع الداخلي إلى إضعاف قدرة الاتحاد الأوروبي على اتخاذ قرارات جماعية حاسمة. فالدول الأعضاء المنشغلة بإدارة الأزمات الاجتماعية تصبح أقل استعداداً للتنازل عن السيادة أو تمويل سياسات مشتركة طموحة، سواء في الدفاع أو الطاقة أو الهجرة. كما أن صعود الشعبوية قد يعيد إحياء النزعات القومية التي تعارض الاندماج الأوروبي، مما يهدد مشروع الوحدة نفسه على المدى المتوسط. في الوقت ذاته، تظهر الاحتجاجات هشاشة العقد الاجتماعي الغربي القائم على الرفاهية والاستهلاك، وتطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة الديمقراطية الليبرالية على استيعاب الغضب الجيلي دون أن تنزلق نحو الاستقطاب الحاد أو العنف السياسي.

 

التداعيات على الأمن والدفاع والعلاقات عبر الأطلسي

تأتي الموجة الاحتجاجية في لحظة حرجة للسياسة الأمنية الغربية. تواجه أوروبا ضغوطاً متزايدة لإعادة التسلح وتعزيز قدراتها الدفاعية المستقلة في ظل الشكوك حول الالتزام الأمريكي طويل الأمد، خاصة مع التحولات في السياسة الأمريكية. غير أن الاحتجاجات تكشف عن مقاومة شعبية لزيادة الإنفاق العسكري على حساب الخدمات الاجتماعية. شعارات مثل «أموال للمدارس لا للحرب» ترددت في شوارع روما وبرلين، مما يجعل الحكومات الأوروبية أمام معضلة استراتيجية: إما الاستجابة للمطالب الداخلية وتقليص الطموحات الدفاعية، أو المضي في إعادة التسلح على حساب الاستقرار الاجتماعي. هذا التوتر يؤثر مباشرة على حلف شمال الأطلسي والعلاقة عبر الأطلسي. فضعف التماسك الأوروبي الداخلي يقلل من قدرة الحلفاء على تقديم جبهة موحدة تجاه روسيا أو الصين. كما أن الغضب الشعبي من تكاليف الدعم لأوكرانيا أو من صدمات الطاقة المرتبطة بالصراعات الإقليمية قد يدفع بعض الحكومات نحو سياسات أكثر تصالحية أو انعزالية. في المقابل، قد تستغل قوى خارجية مثل روسيا هذه الاحتجاجات إعلامياً لتعزيز رواية انهيار الغرب وتراجع نموذجه، مما يعمق الحرب الهجينة المعلوماتية.

 

الأبعاد الاقتصادية والطاقوية والجيواستراتيجية

ترتبط الاحتجاجات ارتباطاً وثيقاً بأزمة الطاقة التي تفاقمت بسبب التوترات الدولية، بما في ذلك التأثيرات غير المباشرة للصراعات في الشرق الأوسط على أسعار النفط والغاز. ارتفاع تكاليف الطاقة يغذي التضخم ويضغط على الأسر والشركات، ويحول الغضب الاجتماعي إلى وقود سياسي. جيوسياسياً، يدفع هذا الوضع أوروبا نحو تسريع البحث عن مصادر طاقة بديلة وتنويع الإمدادات، لكنه في الوقت ذاته يجعلها أكثر عرضة للابتزاز الطاقوي من قبل الموردين. على مستوى أوسع، تضعف الاحتجاجات القدرة التنافسية الغربية أمام الصين والقوى الصاعدة. فالدول المنشغلة بإدارة الاضطرابات الداخلية تخصص موارد أقل للابتكار والتحول الرقمي والأخضر، وتتردد في اتخاذ قرارات جريئة بشأن السياسة الصناعية أو التجارة. كما أن الاستقطاب السياسي قد يؤدي إلى سياسات حمائية أو انعزالية تضر بسلاسل التوريد العالمية التي يعتمد عليها الاقتصاد الغربي.

 

السيناريوهات المستقبلية لوجهة العالم الغربي

يمكن تصور عدة مسارات محتملة. المسار الأول يتمثل في استجابة إصلاحية ناجحة: تستجيب الحكومات جزئياً للمطالب عبر إعادة توزيع الإنفاق وتحسين الخدمات وإطلاق حوارات اجتماعية واسعة، مما يمتص الغضب ويعيد بناء الثقة، ويسمح لأوروبا بمواصلة مشروعها الاستراتيجي مع تعديلات اجتماعية. المسار الثاني هو التصعيد الشعبوي: تفشل الحكومات في الاستجابة، فتصعد أحزاب اليمين أو اليسار الراديكالي، مما يؤدي إلى سياسات أكثر قومية وأقل التزاماً بالمؤسسات المتعددة الأطراف، ويضعف الوحدة الغربية. المسار الثالث هو الجمود الاستنزافي: تستمر الاحتجاجات المتقطعة والاضطرابات دون حل جذري، فتتآكل الشرعية تدريجياً، وتصبح أوروبا أقل قدرة على التأثير في الشؤون العالمية.

 

في جميع الأحوال، تبدو وجهة العالم الغربي متجهة نحو مرحلة إعادة تعريف. لم يعد بإمكانه الاعتماد على تفوقه الاقتصادي والعسكري السابق دون معالجة الفجوات الاجتماعية والجيلية. قد يؤدي ذلك إلى تعزيز فكرة «الاستقلالية الاستراتيجية» الأوروبية كضرورة داخلية وخارجية، أو إلى مزيد من الاعتماد على الولايات المتحدة في ظل الضعف الداخلي. كما قد يفتح الباب أمام إعادة صياغة العلاقات مع الجنوب العالمي، حيث ينظر إلى الاحتجاجات الغربية كدليل على هشاشة النموذج الذي طالما قُدم كنموذج يُحتذى.

 

خاتمة

تكشف موجة الحراك الاحتجاجي في شوارع ومدن أوروبا عام 2026 عن لحظة تحول جيوسياسي عميق للعالم الغربي. لم تعد التحديات مقتصرة على المنافسين الخارجيين أو التهديدات الأمنية التقليدية، بل أصبحت داخلية في جوهرها: فجوة بين الأجيال، وأزمة شرعية، وتوتر بين متطلبات الأمن والرفاهية. نجاح الغرب في تجاوز هذه الموجة يتوقف على قدرته على إعادة بناء عقد اجتماعي يدمج الشباب ويوازن بين الإنفاق الدفاعي والاجتماعي، وعلى الحفاظ على تماسكه في مواجهة الضغوط الخارجية. إذا فشلت هذه العملية، فإن العالم الغربي قد يدخل مرحلة من التفتت النسبي والتراجع النسبي في نفوذه العالمي. أما إذا نجحت، فقد تخرج أوروبا أقوى وأكثر تماسكاً، قادرة على صياغة دور جديد في نظام دولي متعدد الأقطاب. في كلا الحالين، فإن الاحتجاجات الحالية ليست نهاية، بل بداية لمرحلة إعادة ترتيب أولويات وجغرافيا سياسية غربية جديدة. فما مدى تأثير الاحتجاجات الاجتماعية على التحالف الغربي؟