اخر الاخبار:
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

فاطمة!- قصة قصيرة// د. آدم عربي

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

د. آدم عربي

 

عرض صفحة الكاتب 

فاطمة!- قصة قصيرة

د. آدم عربي

 

لم تنته مشاكلنا بعد أن عاد أبي إلى عمله كخضرجي عند الحاج، الذي له نصف سوق البصل. كنا نعتقد أن أبي سيتغير، أو يغير من معاملته لنا بعد أن عمل ثلاثة شهور هناك، أجيرًا في مصانعهم. كان كلما عاد في المساء يضرب أمي، وأحيانًا يضرب أمي ويضربنا معها أنا وأخواتي الست، بينما يتمكن أخي خيري من الفرار من بين يديه المديدتين.

كانت ساحة المنارة كلها تسمع صياحنا كل ليلة، فيأخذ أهل الحارة في سبنا، وأحيانًا يخرج لهم أبي، ويأخذ في رد الصاع صاعين، فيسبهم، ويتضارب معهم، وتقف أمي عند الطاقة، وتتبادل مع الجارات كل اللعنات التي صنعها الإنسان ضد نفسه، فأبي سيبقى زوجها، وهو حر في أمره معها، يشقيها متى يشاء، ويسعدها متى يشاء، لكن سعادة أمي لم تكن إلا كلمات، ترد بها على ما هو يومي من ضرب وتعاسة، وما أن تجد أمي نفسها وحيدة بيننا أو بين جدرانها الأربعة حتى تنفجر باكية شاكية.

ومضت الأيام هكذا، وأخي خيري يكبر دون أن نعرف، كان يكبر بعيدًا عن الدار، فقد اكتشفنا فجأة، يوم أن جاءتنا أخبار آخر مظاهرة، أنه لم يعد صغيرًا. كان قد صنع مقلاعًا تفتح حجارته رؤوس جنود الاحتلال الذين يضربون بأسلحتهم، وكان قد جمع، لأول مرة من حولنا، أهل الحارة جميعًا، حتى أن بعض النساء زغردن في تلك الأمسية، وابتسم أبي لنا، ورمى أمي بكلمتين حلوتين. وتكرر الأمر كلما صارت في البلد مظاهرة يشارك فيها أخي خيري الذي نقل لي أنه رأى في المظاهرة الأخيرة بعض من كن معي في الصف من بنات قبل أن يحبسني أبي في البيت، فأحسست أنني ما زلت صغيرة رغم أنني البكر، وأن أخي الأصغر خيري وحده الذي يكبر. وعندما أغضبني الأمر، ضربني أبي حتى أسال دمي، وأجبرني على التقاط دمي بنفسي عن الأرض.

وذات يوم، اقتحم الجنود حارتنا بحثًا عن أخي خيري دون أن يجدوه، فقد كان مختبئًا في سدة حمام القاضي، وهددوا أبي بنا نحن بناته السبع. قالوا له إذا كنت تريد أن يبقين عذارى فلتسلمنا ولدك! بكى أبي في الليل مثل امرأة، ولكي يوقف بكاءه، جعل أمي تبكي بدلاً منه بعد أن أشبعها ضربًا. صار مقلاع أخي خيري الجسور مصدر مشاكلنا، وخاصة بعد أن هدّد الحاج بطرد أبي من المحل، فالمقلاع، حسب رأيه، حلو، ولكن ضرباته أحلى! وليحتمل أبي وحده ((حلاوتها))!

وهكذا كلما جرت في البلد مظاهرة دبّ في بيتنا الرعب، والمقلاع صار قدرنا، فأخي خيري سيشارك حتمًا في المظاهرة، وهو الذي سيفتح بمقلاعه رأس جوليات العملاق. صرت كلما أفكر في الأمر أغيب عن العالم، فأحرق الطعام، أو ما هو للكي، ولا أنظف الغسيل تمامًا، ولا الصحون، أو البلاط. كنت أفكر في وضعي، وضع الذي لا وجود له. كانت جرذان الحي موجودة، أما أنا فلا، وكانت عقارب الحي موجودة، أما أنا فلا، وكانت... وكانت... وتصيح أمي:

- فاطمة يسكنها الشيطان!

ظنت أمي أني عاشقة، أو أريد أن أكون عاشقة، فتمنت أن يأتيني ابن الحلال المنتظر. وظنت أمي أني مريضة، أو أريد أن أكون مريضة، لئلا أعينها في مهام البيت ورفع بعض العذاب عنها، فتشكوني لأبي. وعندما كانت تشكوني لأبي، كان يضربني، ويلعنني أنا والحاج، فالحاج يهدده، كل يوم، بقطع رزقه، وفاطمة ستأتيه، في آخر حياته، بالعار. وينتقل أبي مني إلى أمي، وتذهب يده المديدة ضربًا في كل الاتجاهات، وأنا لا أتوقف عن التفكير في مقلاع أخي، ولا يعرف أحد أنني كلما فكرت في مقلاع أخي خيري رحت أكبر، وأملأ حجمي. وذات صباح، خرجت دون أن آخذ إذنًا من أحد إلى المظاهرة التي ستجتاح البلد، على أن أعود في المساء إلى بيتنا.

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.