اخر الاخبار:
تصفية قيادي كبير بداعش في العراق - الخميس, 20 حزيران/يونيو 2024 20:52
هزة بقوة 3.3 تضرب مدينة السليمانية - الأربعاء, 19 حزيران/يونيو 2024 10:56
مقتل ضابط سوري بهجوم إسرائيلي - الأربعاء, 19 حزيران/يونيو 2024 10:43
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

وأخيرًا عرفتُ!- قصة قصيرة// مارتن كورش تمرس

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

مارتن كورش تمرس

 

عرض صفحة الكاتب 

وأخيرًا عرفتُ!- قصة قصيرة

مارتن كورش تمرس

محامي وقاص

 

لقاءٌ فريد من نوعه في بلد المهجر، جمعني بالطفل (بارشينو) الذي لم يتجاوز ربيعه العاشر، بحضور والده الذي كانت تربطني به علاقة صداقة منذ أيام الدِّرَاسَة الجَامِعِيَّة في الوطن. طفل اجتمعتْ فيه ميزة النقاش، بحيث يقدر أن يجذبَ نظر كل من يلتقيه. ليس للقارئ إلا أن يشاركني الحوار الذي جرى فيما بيننا في ذلك اللقاء:

-    هل تقدر أن تروي لنا كيف كان التعامل معك ومع أقرانك الأطفال أيام كنت في الوطن؟

أجاب بكل هدوء:

-    كنت مغمض العينين لا أحد من الكبار شرح لي عن حقوقي الطبيعية أو كلف نفسه ومنحني أياها كإنسان... ما كنت أَتَفَوَّه بكلمة إلا وأجد الكل قد وقف ضدي بكل قَسْوَة! لذلك ما كنت أتجرأ لكي أدافع عن نفسي ولو بالكلام، كأن أسأل عن سبب قسوتهم تجاهي لأني كنت أعرف الجواب: ((لازلتَ طفلاً صغيراً وتحتاج إلى التأديب.))

-    إذًا سَكتَّ يا بارشينو البطل كل تلكم السنين. 

-    أذكر يوم كنت في الصف التمهيدي، سألت وقتها أبي على مساعدتي في حلِّ أُحْجِيَّة ما.

إلتفت إلى والده وسأله بكل لطف:

-    بابا، هل أقدر أن أفصح بصراحة؟

-    نعم يا بني.

قلت له:

-    ماذا كان جواب بابا؟

-    قال لي: ((تعال وأجلب معك النَّعل)).

هكذا يتربون الأطفال في معظم بلدان الشرق وكأن حقوقهم هي الفُتَاتُ المتساقط من موائد الكبار، كأنهم مواطنون من الدرجة الثانية يعيشون خارج حماية القانون بل لا تجد لهم في دولهم قانونًا لحماية الطفولة! وإن وجِد فحِبْرٌ على وَرَقٍ! وإن سألت المشرع. تجد جوابه في الجريدة الرسمية:

-    لأولياء الأمور حق تأديب أولادهم.

هذه حجة تُتخذ لتهميش الأطفال الذين يتم اضطهادهم من قبل أقرب الناس إليهم! مثلا الأب، الأخ الكبير، العم، الخال، الجد والجار تحت غطاء الحرص عليهم، وقد حولوهم بأسلوبهم هذا إلى شعب مستعبد ومعرض للسخرة والاستغلال من قبلهم، بل ترى بعض أولياء الأمور لا يتأخرون عن تعريض حياة أولادهم للخطر! وهم يُرسلونهم إلى دُّكَّان بيع السكائر ليبتاعوا لهم علبة دخان! أو يُدخون أمامهم في غرفٍ خالية من التهوية الصحية أو يخلعون أحذيتهم وجورابهم ولا يغسلون أقدامهم بحيث تفوح منها رائحة نتنة تشبه رائحة القمامة وهم يشاهدون أطفالهم قد كَمَّمَوا أنوفهم بكفوف أَيَادِيهِمْ.

طفولة قاسية لا زَالَ يعيشها الأطفال في بلدان الشرق حتى بلوغهم سن الرشد وهم غير مصدقين نهاية سلام تُكتب لشَّرِيط سينِمَائِي (فِيلْمُ) مُرعب شاركوا فيه كضحايا كل سني الطفولة والحداثة ليخرجوا إلى مرحلة الشبيبة حاملين الارتباك، الخوف، التردد، عدم القدرة على اتخاذ القرار، إنعدام الجرأة الأدبية والتلعثم حين يأتي دور أحدهم ليقف أمام زملائه التلاميذ ليحلَّ أُحجية أو مسألة ما، بل يبقى القلق يرافقه كظله كأن يكون على متن حافلة لنقل الركاب وهي مزدحمة بهم، تراه يتلفت يمينًا وشمالًا ظانًّا أنه سينال ضربة على رقبته من الخلف.

-    أ لم تعرف وقتها بأن لك حقوق كطفل؟

-    أبدا لم أعرف بل كنت وقتها مقتنعًا بأني لو خالفت! فعلى الأكبر مني ضربي! لم أعلم بأنه ليس من حق الكبار ممارسة التأديب بأسلوب العنف ولا رمي ثقل التزاماتهم على كواهلنا الصغيرة لأن العديد منا عاش طفولته وسط خوفٍ من المعلم في حالة عدم تكملة واجبه البيتي.

لا يمكن أن يُبرر العنف ضدهم على أنه أسلوب تربوي مضمون به يحصل التلاميذ على علامات أفضل وينالون شهادات عليا! به يكون حالهم أفضل ممن عاشوا أيتامًا حيث فقدوا أبيهم في حرب ما لينتمي الواحِدُ منهم تِلْوَ الآخَرِ إلى جماعة (أولاد الشوارع)، بل منهم من وافقت أمه الأرملة لينزل إلى وِرَش العمل بجسده الصغير وبدنه الضعيف قابلًا بأبخس الأجور من أجل تأمين لقمة العيش لها ولشقيقاته، وهو يعود في نهاية النهار إلى ذلك الكوخ الذي بنته أمه من الصفيح والطين في منطقة عشوائية، معه القليل من الخبز والخُضْرَوات وهو يبتسم لها غير متنازل عن تحمل تركة المسؤولية ليذهب بعدها إلى فراشه المتكون من (كارتون)، يغسل وجهه بدموع عينيه بسبب ما لاقى من ضرب وإهانة من صاحب الورشة!

عرفت من الطفل بارشينو، الذي لم تغب عن باله كل تلكم الصور المؤلمة، أنه يعتبر نفسه محظوظًا اذ نَجَّى مع والديَّه من نيران الحروب المشتعلة سعيرها ولا زَالَ، ليتم منحهم حقّ اللّجوء في بلد أوروبي ليحصلوا على إذن الإقامة الدائمية، حيث تيقن كيف يحترمونه ويرعون حقوقه ناهيك عن مخصصاته المالية والرعاية الصحية مِنْ قِمَّة رأسه إلَى أَخْمَصِ قدمه. يوم ذهب إلى المدرسة، استقبلته مديرة المدرسة كما يُستَقبل الرجال المهمين في أي مجتمع، لتكلف معاونتها والمعلمة المرشدة ليقودانه إلى الصف الذي فيه خصصتا مقعدًا له بحيث لو رآه أي رئيس دولة من دول العالم الثالث، لأَرسلَ جيشًا عَرَمْرَمًا لامتلاكه.

أصبح الطفل بارشينو، يعرف مدى اهتمام البلد الذي استقروا فيه، بالأطفال بل وعرف كغيره من التلاميذ من معلمتهم معظم القوانين التي تحميهم من قسوة أولياء أمورهم! أكيد وهو يجلس على ذلك المقعد، قال في نفسه: ((وأخيراً عرفت حقوقي.))

انتهى أول فصل دراسي لتأخذه المعلمة مع زملائه إلى حديقة للحيوانات فيها عرف أن هي الأخرى لها حقوقها! ومحمية وغير سائبة كما هو حال قريناتها في الوطن، عاد إلى البيت ليسأل والده سؤالًا لطالما أخفاه في قلبه:

-    بابا لماذا حرمتني حقوقي أيام الوطن؟

لم يجبه والده بل ظل ينظر إليّه وكله خجل وشعورٌ بالذنب، مما حدا به أن يسأله ثانية:

-    أريد منك وعدًا يا بابا؟

حينئذٍ تحرر الأبُ من عقدة الذنب وأجابه بلطف كبير:

-    أن لا أعود لإستخدم العنف كإسلوب في التربية.

-    يعني لن تقف بيني وبين ممارسة حقوقي كطفل.

لا زَالَ معظم أولياء الأمور في الشرق يستعملون اليد للصفع بَدَلًا مِنْ النصيحة! والسب بَدَلًا مِنْ الكلام المعسول، لذلك على كل ولي أمر أن يلجأ إلى المَحَبَّة الفائقة الحدود (أسس 3: 19)، التي مصدرها العلياء التي وفقها يتعامل مع أفلاذ كبده. قلت لوالد بارشينو:

-    ماذا تقول للذين ما زَالَوا يمارسون العنف ضد الأطفال لحد اليوم؟ 

-    رجاءً رجاءً أوقفوا العنف!

-    التفتَ إلى ابنه وقال له:

-    لا زلتُ أذكر المادة 29 والفقرة رابعًا من الدستور العراقي، ونصها (( تمنع كل أشكال العنف والتعسف في الأسرة والمدرسة والمجتمع)). لكنها لم تطبق لحد هذا اليوم. على الواحِدِ منا أن يحب فلذة كبده حتى يحترم حقوقه فيتعامل معه وفق مقولة الرب: "لاَ تَتَسَلَّطْ عَلَيْهِ بِعُنْفٍ، بَلِ اخْشَ إِلهَكَ." (سفر اللاويين25: 43).

-    يا بابا لقد تعلمتُ اليوم من معلمة اللغة الأم آية اقتطفتها لنا من بشارة الخلاص: "دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ، لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ اللهِ." (مرقس10: 14).

بعد أن رددنا ثلاثتنا بصوتٍ واحدٍ:

-    آمين

 

المحامي والقاص

مارتن كورش تمرس لولو

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.