رثاء الأب لويس قصّاب// كريم اينا
- تم إنشاءه بتاريخ الإثنين, 10 تشرين2/نوفمبر 2025 11:32
- كتب بواسطة: كريم اينا
- الزيارات: 591
كريم اينا
رثاء الأب لويس قصّاب
كريم اينا
مقدّمة نثرية:
في دروب التاريخ الكنسي لبغديدا، يسطعُ إسم الخور أسقف لويس قصّاب كأحد أعمدتها المضيئة. وُلد من رحم الإيمان، وسار في طريق الخدمة منذ نعومة أظفاره، كاهناً ومربّياً وراعياً ومجدّداً. جمع بين الروح والعِلم، بين المذبح والعمل، فغدت كلماتهُ وتعاليمهُ مرآة لِسيرةٍ طيّبةٍ عبَقَت بالعطاء، ومن طقوس الطفولة إلى بهاء الكهنوت، ومن مذابح الموصل إلى كنائس بغداد، ظلّ قلبه معلّقاً بمدينته بغديدا، يخدمها بكل تفانٍ وإخلاص. ترك وراءه صروحاً من حجرٍ وأخرى من قلوبٍ مؤمنة، فصار إسمه نشيداً يتردّدُ في ذاكرة أبنائها، تظلّ سيرة الخور أسقف لويس قصّاب شاهدةً على عصرٍ من الإيمان والعطاء. منذ نشأته في بيتٍ تفيض منه التقوى، إلى سنوات خدمته في المذبح والرعية، كانَ مثال الراعي الأمين الذي أحبّ الله والوطن والإنسان.
خدم في الموصل وبغداد وبغديدا، ولم يكلّ في إعمار الحجر والبشر معاً.
أحبَّ التعليم والفنّ السرياني والتراث، فكان كاهنًا وعالمًا وإنسانًا ينسجُ الخير في كلّ موضع.
هذه القصيدة تُهدى إلى روحه الطاهرة، تكريماً لمسيرته ووفاءً لذكراهُ، تحكي بلغة الشعر ما نطقت به الأفعال.
"خور أسقف بغديدا"
إلى روح الأب خور أسقف لويس قصّاب
كريم إينا
يا نَورَ بغديدا، ويا سِفْرَ البَشائِرِ
يا لُؤلؤًا زانَ الرُّبى في المُعسِـــــرِ
لويسُ يا رَجُلَ الفِداءِ، سَليلَ إِيـــــــمَانٍ
تَربّى في نَقَا الطُّهْرِ الطّاهِـــــــرِ
مِنْ مَهْدِهِ غُذِّيَ التُّقَى وَتَعَلَّمْ
في ظِلِّ أسْرَةِ مؤمنينَ أكابرِ
ومضى إلى دربِ الكَهنُوتِ مُبَكِّــــــراً
يَسْقِي الحَياةَ منَ الرُّجُوعِ إلى البَشَرِ
في مَعهدِ يوحَنّا الحَبيبِ تهذّبَتْ
روحُ النُّبوغِ على جَنَاحِ مُسَفّــــــرِ
حتّى تَوَجَّهَ للكَرامةِ سَيّـــــــداً
وكَساكَ نُورُ اللهِ ثَوْبَ المِشْعَــــــرِ
خَدَمتَ طاهرةَ القلوبِ بَغيْدَدا
والمَجدُ يُشْهِدُ في المَذابِحِ والمَحَرِ
ما بَيْنَ سِتٍّ وَسَبْعِ عَشْرَةٍ عاماً
كنتَ الرّعِيَّةَ، والقَدِيسَ، المُسَخَّـــرِ
حتى إلى بَغدادَ سِرْتَ مُبَشِّــــــراً
في “سَيِّدَةِ النَّجَاةِ” دارِ المُطَّهَّـــــرِ
عُشْرٌ مِن الأعوامِ فيها خِدمْتَهـــــا
خِدْمَ الوَفيِّ لِمَعْبَدٍ ومَنَابِـــــــرِ
ثُمَّ إرْتَجَعْتَ إلى الرُّبى بَغديدةٍ
تُرَمِّمُ الأرْوَاحَ فَجْراً آخَــــــرِ
وبَنَيْتَ بِيْعَ المَحبّةِ باسِـــــــمِ
بَهْنامَ وسَارَةَ في ضِياءِ المَحْضَرِ
ورَمَّمْتَ الطَّاهِرَةَ الكُبْرَى، وَقَدْ
شَهِدَ المِذْبَحُ عِطْرَكَ المُتَسَعْطَــــرِ
وبَنَيْتَ مقبرة الرَّجاءِ كَأنَّــــــها
بَذْرُ الخُلودِ على الثَّرَى المُتَسَتِّــــرِ
أَطْعَمْتَ جَوْعَ الفَقْرِ، رَبَّيْتَ الطُّفُـــــلَ
وأَحْيَيْتَ دارَ “مار أفرامَ” بالسُّؤَدُدِ الزَّهَرِ
وحَمَلْتَ في الأَزْماتِ صَلْبَانَ الشُّقـــــا
تُرْشِدُ قَوْمَكَ في اللّيَالِي الغَبْشَرِ
في الخَدْمِ لمْ تَعْرِفْ مَلَالاً، إِنَّمـــــا
كُنْتَ الضِّياءَ لِكُلِّ دَرْبٍ مُعْسِـــــرِ
وكتَبْتَ فَنَّ السُّرْيَانِ في تَصْوِيرِهِــــمْ
نَبْضَ الرُّؤَى في اللَّوْنِ وَالفِكْرِ الغَمَرِ
وَأَضَفْتَ لِلآدَابِ سِحْراً نَاطِقـــــاً
يَرْوي الجُذُورَ بصَوْتِ أَهْلِ المَحْضَرِ
ما كنتَ تَطْلُبُ شُهْرَةً أو مَغْنَماً
بَلْ كُنتَ تَزرَعُ فِي القُلُوبِ المَخْفَرِ
رَبّيتَ أَجْيَالاً على الإِيمَانِ مَا
بَرِحُوا يُحِبُّونَ النَّقَا وَالتَّذَكُّــــــرِ
فَالعِلْمُ عِندَكَ مَعْبَدٌ، وَصَبَاحُــــهُ
صَوْتُ المَحَبَّةِ وَالنُّضُوجِ الأَكْبَرِ
ما ضاقَ قَلْبُكَ بِالضَّعِيفِ وَإِنَّمــــا
جَعَلَتْ يَدَاكَ لِكُلِّ حُزْنٍ مِئْوَرِ
وسَكَنْتَ فِي عَنْكاوا رَاحَةَ عَابِــــدٍ
يَرْجُو لِقَاءَ اللهِ فِي الوَقْتِ الأَخَيْــــــرِ
حتّى إذا مَالَ المَسَاءُ وَغَابَــــــتِ
شَمْسُ الحَيَاةِ، نَعِمْتَ بالمُسْتَبْشَـــــرِ
واليَوْمَ عُدْتَ إلى الرُّفَاةِ كَأَنَّــــــهُ
مَوْكِبُ قُدْسٍ في الدُّرُوبِ المَسْتَنِـــــرِ
سَارَ المَدِينَةُ في وُرُودٍ حَامِلـــــــاً
نَبْضَ الحَنِينِ لِطِفْلِهَا المُتَذَكِّـــــــرِ
كَاتِدْرَائِيَّةُ “الطَّاهِرَةِ الكُبْرَى” غَدَتْ
أُمّاً تَضُمُّكَ فِي حَنَانٍ أَكْبَـــــــرِ
يا مَنْ خَدَمْتَ اللهَ حُبّاً خَالِصـــــاً
نِعْمَ الثَّوَابُ لِمَنْ أَتَى مُتَبَصِّـــــــرِ
سَيَبْقَى اسْمُكَ فِي الرُّبَى مَنْقُوشـــــاً
نَبْضَ الخُلودِ عَلَى جَبِينِ المَحْضَرِ
المتواجون الان
676 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع



