اخر الاخبار:
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

طبيبُ بغديدا// كريم إينا

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

كريم إينا

 

للذهاب الى صفحة الكاتب 

طبيبُ بغديدا*

كريم إينا

 

رثاء إلى المرحوم د. حنا البنا

 

وُلِــــدَ الضِّــياءُ بـــدارِ حَــنّا مُشــرِقــاً

فــي مَــــوطِــنٍ شَــهــدَ الــنَّــدى والــقَــمَــرا

مِــنْ خُبــزِ أُمٍّ طــاهِــرٍ رَبَّــتْ فــؤادَهُ

وبِــعِــرقِ والِــدِهِ بَــنّــاءٌ عُــمّــرا

مَــضَــتْ طُــفـولتُهُ تَــطيرُ بــأحــلَمٍ

فِــي الــحَــقُولِ تُــصـادُ فــيــهـا الــطّيـرا

وبِـــمَـــارِ يُـــوحَــنّــا غدا حاضراً

يَــرتــلُ الــسُّــريــانُ فــيــهــا الــمزْمــرا

مَــا إنْ تَــفــوَّقَ فِــي الــدُّروسِ تَمَيُّزاً

حَــتّى سَــمــا فَــوْقَ الــنُّــجُــومِ مُــكبِــرا

حَـصَـلَ الــمَــراتِــبَ فِي الــعِــراقِ تألّقاً

والــعِــلـمُ مِــنْــهُ مَــقــرُّهُ والــمَــصْــدَرا

واخــتــارَ طِــبّــاً لا لِــشــيءٍ غَــيــرِ أنْ

يُضَمِّدُ الجُرحَ العَنيدَ إنْ شَعَرا

ولَــقَــدْ تَــخَرَّجَ فــي الــعِــراقِ مُــبــارَكــاً

خــامِــسُهمْ بينَ الرجالِ فأزدهرا

مَــضــى يُــعــالِجُ أهــلَ راسنَ مُـخلِصاً

يَــسْــتَــقــبِــلُ الــمَــرضَى بــلَــيــلٍ مُــسْهِــرا

جَــــابَ الــــقُــــرى، وحَــــمَــــلَ بـــالأمــــلِ الــذي

ما خانَهُ شهراً ولا يوماً ولا عُمرا

بدهوكَ كانَ مستشاراً بارعاً

صرحٌ يُضيءُ للورى قدحاً ونورا

ومَــضى بِنِــينَــوى يُــعَــمِّــرُ صَــرحَــهــا

لِــيَــكُونَ لِــلــجُــرحِ الــمُــعَــنّى مَــنْــبَــرا

وبِــقَــرهِ قوشٍ عادَ يَــخــدُمُ أهلَــها

طِــبّــاً يُــداوي الــضُّــعْفَ إنْ ضرّا

عَــمِــلَ الــكَــريــتاسَ الــمُــبارَكَ نَــبْــعُــها

يُــهْــدي الــدواءَ لِــمَــنْ أتــاهُ مُــعَــسَّــرا

حَــتّى إذا فَنِــيَ الــسُّــرى مِــنْ خُطْوِهِ

وتَــعَـبْـتَ فِــي دربِ الــحــياةِ مَسْـــيـَـرا

حانَ الــوداعُ… وفي فَــرنسا أُغــلِقَتْ

عَــيْــناهُ، إذْ لاقى الــرَّحـيـلَ مُـقَـدَّرا

حَــمَــلوهُ فَــوقَ الــسَّــماءِ مُــحَلَّقاً

لِــيَــعودَ لِــلأرضِ الــتِــي مِــنْــهــا جرى

حَــطَّــتْ طَــائِــرَهُ فَــوقَ الــرجــاءِ مَقــامَهُ

فِــي مَــقْــبَــرَةٍ ضَمَّتْ وَفــاءً مُــعْــتَـــبرا

نامَ الطَّبيبُ… وبَــغَــديــدا كُلُّها

تَــبْــكِــي عَلَــيْهِ الــبِــرَّ والــقَــلْــبَ مصفرا

يا حَـنّا، إنْ غابَ الجَسَدْ ففِعالُهُ

باقِيةٌ تَسقي الرِّجالَ تَذَكُّرا

وتنــوحُ بلدتنا فَــوقَ رُبــوعِــها

تَرثي الطَّبيبَ لبَذَلهِ الــعُــمْــرا

نامَ المعلّمُ والمُداوي هانِئـاً

مَــن عاشَ يَزرَعُ خَــيرَهُ لَمْ يَــخْــسَــرا

فلكَ السلامِ أنتَ بلْ منارُهــا

ومِنَ المَسارِ نَــقَشْتَ فِينا المُستقَـرّا

حَــنّـا البَنّاءُ… إنَّ سِــيــرَةَ عُــمْــرِهِ

مجدٌ تَعَلّى في القلوبِ مُنَوَّرا

...............................................

*  في ذاكرة بغديدا، حيث تتوارث الأرض عطر القمح وصلوات الأجداد، يبرز اسمٌ يضيء مثل شعلةٍ لا تنطفئولد من بيتٍ بسيط، من أبٍ بنّاء يشيّد الجدران، وأمٍّ حنون تشيّد القلوب، فاختار يبني بطريقته الخاصة… يبني حياة الناس من جديد، يمسك بهم حين يثقل عليهم المرض، ويمدّ إليهم من علمه وحنانه ما ينعشُ الروح قبل الجسد.

منذ طفولته التي قضاها بين أزقة بغديدا وحقولها، كان لصوت الحياة وقعٌ خاص في قلبه، يطاردُ العصافير لا ليصيدها، بل ليحفظ في ذاكرته خفّتها، لعلّه يوماً يعيد خفّة الروح لقلوبٍ أرهقها الألم. وما إن كبر حتى حمل معه ذلك النقاء، فتفوّق في مدارس الموصل، ثم رفع إسم بلدتهِ عالياً في كلية طب بغداد، قبل أن يختار أن يردّ للناس جميلهم، وأن يكون كما إعتادوا رؤيته: قريباً، بسيطاً، مُخلصاً.خدم الطب لا كوظيفة، بل كرسالة. في قره قوش، في دهوك، في الموصل، وفي كلّ مكان حلّ فيه، كانَ هو "الطبيب" بالمعنى الأتمّ للكلمة: المعالج، المربّي، الإنسان. فجعل من المستشفيات مؤسسات حيّة تنبض بالنظام والخبرة، وجعلَ من عيادته ملجأً يطرقُ بابهُ الجميع دون رهبة ولا حرج. وعند ختام رحلته، حملته الطائرة من فرنسا إلى حضن بلدته، التي لم تفارقه يوماً، ليُدفَن في مقبرة الرجاء، حيث تستريح الأرواح التي أدّت رسالتها بصدق. غيرً أنّ ذكراهُ بقيت حيّة، لا تُنسى، في كلّ بيتٍ عالج فيهِ مريضاً، وفي كل دربٍ مرّ عليه مبتسماً، وفي كلّ قلبٍ عرفه طبيباً… وإنساناً.

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.