
امتلاءٌ خفيٌّ - قصيدة نثر
صالح مهدي محمد
في آخرِ الليل،
حين تخلعُ المدينةُ ضجيجَها كمعطفٍ مُتعَب،
أمشي وحدي،
وأصغي لخطواتي؛
ظلٌّ يحاولُ أن يسبقني إلى الفراغ.
الهواءُ باردٌ بما يكفي
ليوقظَ الذكرياتِ في أطرافِ الأصابع،
وأنا كعادتي
أفشلُ في نسيانِ التفاصيلِ الصغيرة:
رائحةُ بابٍ قديم،
ظلُّ يدٍ انسحبَ بهدوء،
وجملةٌ لم تُقَلْ.. لكنها بقيت
عالقةً أمامي..
تترقبُ انفلاتَ الضوءِ من مرايا الذاكرة.
في داخلي
مدنٌ للحلمِ، وأصواتٌ تتنازع،
نهتفُ للبقاءِ
كأنَّ الصدى
هو الشيءُ الوحيدُ الذي يردُّ علينا.
أسكنُها،
أهربُ منها،
وأعودُ دون تفسيرٍ،
كأنَّ الرجوعَ
أقدمُ من الرغبة.
أدركُ
أنَّ الصمتَ
امتلاءٌ خفيٌّ
بكلِّ ما لم يحدث،
بكلِّ الطرقِ التي انحرفت في داخلي
حين تردّدَ القلبُ
عند أولِ منعطف.
أنظرُ إلى (اللاشيء)،
فيمتلئُ بي شيءٌ يشبهكِ،
لا يُرى،
لكنّه يثقلني
كحقيقةٍ لا تُحمَلُ
ولا تُترَك.
ثم،
بلا سببٍ واضح،
أبتسمُ
كأنني أدركتُ أخيراً
أنَّ الليلَ لا يُرادُ له أن ينتهي،
بل أن يُعاشَ
حتى آخرِ نجمة.