
فانوس من دم الأم..
لا نجمة للغائب قراءة في قصيدة موفّق محمد
محمد علي محيي الدين
موفّق محمد من أولئك الشعراء الذين اختطّوا لأنفسهم دربًا خاصًا بين الشعراء، فكان صوتًا نابضًا بالوجع العراقي، وصورةً حيّةً لمعاناة الإنسان في وطنٍ أنهكته الجراح. لم يكن شاعرَ نخبةٍ يتغنّى بالرموز والمجازات المعقدة، بل شاعرَ وجدانٍ شعبيٍّ يعرف كيف يلمس القلب ويثير الدمع والتصفيق في آنٍ واحد.
قصيدته لا تُقرأ ببرود، بل تُسمع بحرارة، فهي مشحونة بصورٍ شعريةٍ عميقةٍ تمتزج فيها اللغة الفصيحة بروح المفردة الشعبية التي تضفي على المعنى دفئًا وواقعيةً لا تمنحها الفصحى وحدها. تلك المفردات العامية ليست دخيلة على شعره، بل جزء من نسيجه الفني، توصل ما يعجز اللسان الرسمي عن قوله، وتستحضر البيئة العراقية بصدقها ونبرتها وإيقاعها.
لقد أدرك موفق محمد أن القصيدة لا تُحيا في الكتب، بل في المنابر، بين الناس، فكان شاعر منصةٍ بامتياز، يعرف كيف يتعامل مع الجمهور، وكيف يُحرّك فيهم مكامن الألم والفرح والغضب. صوته نداءٌ للجماهير، وكلماته زفراتُ وطنٍ مكلوم، وحضوره بين الناس أشبه بمرآةٍ تعكس ما يعتمل في صدورهم.
ولأنّ شعره ينهل من الموروث الشعبي العراقي، فقد امتلأت قصائده بالأمثال والتعابير الدارجة والمأثور المألوف في الذاكرة الجمعية، مما جعلها قريبة من القلب، محبوبة لدى العامة والخاصة معًا. وهكذا استطاع أن يكسب الجمهور لا بالمجاملة، بل بصدق الإحساس، وبما بثّه في شعره من حرارة التجربة ووجدان الشعب.
لقد سلك موفق محمد طريقًا صعبًا، لكنه الطريق الذي يوصل إلى الناس، فكانت قصيدته نبضًا عراقيًا خالصًا، وموقفًا إنسانيًا نابعًا من عمق المعاناة وحرارة الانتماء.
لقد ترك موفق محمد أثرًا عميقًا في المشهد الشعري العراقي المعاصر، ليس فقط بما امتلك من قدرةٍ على استحضار الوجدان الشعبي في لغةٍ فنيةٍ راقية، بل بما مثّله من جسرٍ يصل بين الشعر والجمهور. ففي زمنٍ اتّسعت فيه الهوة بين القصيدة ومتلقيها، جاء موفق ليعيد للمنبر العراقي هيبته، وللكلمة تأثيرها الذي يحرّك العقول ويهزّ القلوب.
لقد أعاد للقصيدة رسالتها الأولى: أن تكون صوت الناس، وأن تعبّر عنهم لا عن الشاعر وحده. فأصبحت قصائده سجلاً وجدانيًا لعذابات العراقيين، ومتنفسًا لهم في لحظات الخذلان والضياع، يضحكون فيها من مرارة الواقع، ويبكون من فرط صدقه وشفافيته.
وبذلك يمكن القول إن موفق محمد لم يكن شاعرًا عابرًا، بل مرحلةً من مراحل الشعر العراقي الحديث، اتسمت بصدق الانفعال، وقوة الأداء، وجرأة التعبير، تلك التي جعلت منه واحدًا من أبرز الأصوات التي حملت هموم الوطن في قلبها، ونطقت بها بلسان الناس جميعًا.
في قصيدته "لا نجمة للغائب"، يكتب الشاعر العراقي موفّق محمد نصًا مفعمًا بالحزن النبيل، مستعينًا بالرمز والأسطورة والتفاصيل اليومية، ليحكي وجعًا غائرًا لا دواء له: وجع الأم في حضرة الغياب. يفتتح الشاعر مشهده بجملة خادعة تحمل نذير النكسة:
"الليلةُ عيدٌ،
وأنا في غرفتك الآن.."
بهذا التقديم المقلوب، نعلم أن الفرح ليس إلا قناعًا لوجع أشد، وأن المكان المقصود ليس غرفة حياة، بل غرفة ذكرى، غرفة الغائب الذي لا نجمة له تهديه، ولا قبر يطمئن قلب أمه إليه.
أمومة تشتعل بالدم: تحضر الأم في النص بصورة متجاوزة للطبيعة، امرأة لا توقد فانوسًا بالزيت، بل:
"ما فتأت أمُكَ تملأهُ من دمِها،
وتوقده في المساء الذي يطحن القلب"
هذه الصورة المكثفة تحوّل الألم إلى شعلة، وتجعل من جسد الأم وقودًا للحياة، أو على الأقل وقودًا للانتظار. ليست الأم هنا كائنًا باكيًا فحسب، بل شعلة صبر ومحرقة حب.
يوسف الضائع.. لا قميص ولا معجزة
يتكرر حضور "يوسف" رمزًا للغائب، للمظلوم، للمسروق من حضن أهله. تحاول الأم أن تجد في وجه ابنها صورة يوسف:
"أتهجى صورةَ يوسُفَ،
وأرى وجهكَ بالمرآة كما كان طريًا"
لكن المعجزة لا تكتمل. فلا قميص يُلقى على قلب الأب ليبصر، بل هو الشاعر الذي يتمنى أن يُلقى القميص عليه، علّ البصيرة تعيده:
"وقميصُكَ أبيضُ كالنورِ،
فمن يُلقيهِ على قلبيَّ كي يرتدُ بصيرا؟"
لا يعود يوسف، ولا تنشق السماء عن معجزة. الغياب مطلق، والانتظار طويل.
حوار مع الذئب.. لا عتاب بل ترجٍ
حتى الذئب، الذي لطالما صُوِّر عدوًا في الحكاية، يصبح في القصيدة موضع رجاء:
"ولا أسألُ الذئبَ عمّا جناه!
أستحلفهُ عن ولدٍ لي، ليس لهُ قبرٌ، فأين هو الآن؟"
إنها استعارة بديعة وموجعة، حيث يبلغ اليأس بالأم أن لا تعاتب قاتل ابنها، بل تتوسل إليه أن يدلها على أثرٍ له. الغياب هنا أشرس من الموت؛ لأن الموت على الأقل يقدّم للفقيد شاهدًا.
لغة مثقلة بالحسرة والرمز
قصيدة موفّق محمد تتكئ على لغة رمزية لا تفرّط بالوضوح، لكنها تترك مساحة شاسعة للتأمل. هي لغة أمهات العراق المعلقات بين الرجاء والفجيعة، بين الانتظار والذوبان في الغرف التي لا يدخلها أحد إلا الحنين.
نهاية بلا خلاص
في ختام النص، نسمع صرخة شبه مبحوحة:
"متى يستريحُ الألم؟
لأخلصَ مني..
فما عدتُ ضلعاً وجسرا !!
فقد هدّني صلفُ العابرين"
لم يعد الجسد يحتمل، ولا الروح تُصدّق الخلاص. الأم هنا لم تعد امتدادًا لأحد، ولا عبورًا نحو أحد. لقد أنهكها الانتظار، ولم يبقَ منها إلا نداءٌ عالق في فراغ الغياب.
خاتمة
"لا نجمة للغائب" ليست مجرد قصيدة، بل نداء أمومي مكسور يُرفع إلى الله والتاريخ والذئب والفراغ. فيها يتجلّى موفّق محمد بصوته الصادق، ولغته المنسوجة من نار وأمومة، وهو يمنح قصيدته قدرًا من القداسة، ويمنح غائبًا بلا قبر... ضريحًا من الشعر.
