
وجهة نظر
أسئلة الشعر: مقالات في الفهم والتأويل
(5) الشعر بين الإبداع والإخفاق
صالح مهدي محمد
الشعر منطقة غير مضمونة النتائج، بل حافة دقيقة بين انبثاق حي وخفوت غير مقنع، وكل نص يولد وهو يحمل احتماله المزدوج؛ أن يكون كشفا يضيف إلى العالم، أو تكرارا يعيد صياغة ما قيل دون روح جديدة. الإبداع في الشعر لا يأتي من الفكرة وحدها، ولا من المهارة التقنية فحسب، بل من لحظة تواطؤ نادرة بين التجربة واللغة، حين يجد الشاعر الشكل الذي يليق بما يشعر به، فتتولد قصيدة تبدو وكأنها لم تكن ممكنة قبلها. في هذه اللحظة، لا يعود الكلام وسيلة بل يتحول إلى حدث، إلى شيء يحدث داخل القارئ لا أمامه. أما الإخفاق فيبدأ حين تنفصل اللغة عن التجربة، حين تغدو الكلمات بديلا عن الإحساس لا امتدادا له، فيفقد النص توتره الداخلي ويغدو مجرد بناء متقن بلا حياة.
وغالبا ما يقاس الإبداع بقدرة الشاعر على الانزياح، على كسر المألوف دون أن يفقد المعنى، وعلى إدهاش القارئ دون أن يغرقه في العتمة. فليست كل غرابة إبداعا، كما أن الوضوح لا يكون دائما نقيضا للعمق. الإبداع الحقيقي هو ذلك التوازن الصعب بين الإيحاء والبيان، بين ما يقال وما يترك، حيث يشارك القارئ في إكمال المعنى بدل تلقيه جاهزا. وقد أشار د. عبد الحليم محمود السيد إلى هذا التمايز الدقيق بقوله: "أن تميز عامل الطلاقة التعبيرية عن طلاقة الأفكار إنما يدل على القدرة على إنتاج أفكار تختلف عن القدرة على صياغة هذه الأفكار والتعبير عنها في كلمات أو صور مختلفة بأكثر من طريقة" (*).
أما الإخفاق فيظهر حين يساء استخدام هذا التوازن، إما بالوقوع في المباشرة التي تفرغ النص من طاقته، أو في الغموض المفتعل الذي يحجب المعنى بدل أن يوسعه. هنا يفقد الشعر قدرته على التواصل، ويغدو أقرب إلى لغز مغلق لا يثير سوى النفور.
ومن جهة أخرى، فإن الإبداع يتغذى من صدق التجربة، لا من زخرف اللغة وحدها. قد تكون القصيدة بسيطة في مفرداتها، لكنها عميقة في أثرها لأنها نابعة من إحساس حقيقي، بينما قد تبدو قصيدة أخرى مبهرة في صورها لكنها خاوية لافتقارها إلى هذا الصدق. الإخفاق هنا لا يكمن في ضعف اللغة، بل في غياب الضرورة، في كتابة ما لا يحتاج أن يكتب. وقد جاء في تعريف الإبداع أنه: "أن الإبداع يمكن أن يعرف بأنه النشاط الذي يؤدي إلى إنتاج جديد وقيم من أجل المجتمع" (**).
فالشعر لا يقاس بعدد الاستعارات، بل بقدرته على أن يجعل القارئ يشعر بأن ما يقرؤه كان ينبغي أن يقال، وأنه يلمس شيئا لم يكن واضحا من قبل.
كما أن الإبداع في الشعر يرتبط بالقدرة على الإصغاء، لا للعالم الخارجي فحسب، بل للذات في لحظاتها الأكثر خفاء. الشاعر المبدع لا يفرض صوته على التجربة، بل يسمح لها أن تتشكل بحرية داخل النص، فيأتي صوته نتيجة لا نقطة انطلاق. أما الإخفاق فيظهر حين يطغى الصوت على ما يقال، حين يصبح الشاعر أسير نبرة واحدة، أو أسلوب مكرر، فيفقد النص مرونته وقدرته على المفاجأة. التكرار هنا لا يكون في الكلمات فقط، بل في الرؤية، في الطريقة ذاتها التي يعاد بها إنتاج المعنى.
والإبداع كذلك قدرة على المخاطرة، على الذهاب إلى مناطق غير مأمونة في اللغة والتجربة، دون ضمان مسبق للنجاح. الشاعر الذي لا يخاطر يكتب ضمن حدود آمنة، وقد ينتج نصوصا سليمة لكنها نادرا ما تكون مؤثرة. أما المخاطرة الواعية فهي ما يفتح أفقا جديدا، حتى لو تعثرت أحيانا. الإخفاق في هذا السياق لا يعد عيبا مطلقا، بل قد يكون جزءا من الطريق، غير أن الإشكال يبدأ حين يتحول إلى نمط دائم، حين لا يتعلم الشاعر من تعثراته، أو يكرر تجاربه دون مساءلة.
ولا يمكن إغفال دور القراءة والوعي النقدي في صناعة الإبداع، فالشاعر لا يكتب في فراغ، بل ضمن تاريخ طويل من النصوص والتجارب. الإبداع لا يعني القطيعة التامة مع هذا التاريخ، بل الحوار معه، وإعادة تشكيله، وتجاوز ما يمكن تجاوزه. أما الإخفاق فقد ينشأ من تقليد غير واع، من استنساخ أصوات الآخرين دون إضافة حقيقية، أو من جهل بما كتب سابقا، مما يجعل النص يبدو وكأنه يعيد اكتشاف ما هو معروف. هنا يفقد الشعر فرادته، ويذوب في أصوات لا تخصه.
لذا، يبقى الشعر مجالا مفتوحا لا يمكن حسمه بمعايير ثابتة، فالإبداع ليس وصفة تتبع، ولا الإخفاق حكم نهائي. كل قصيدة تجربة قائمة بذاتها، تقاس بقدرتها على البقاء في الذاكرة، وعلى إحداث أثر يتجاوز لحظة القراءة. ربما يخطئ الشاعر في نص ويصيب في آخر، وربما يكتشف لاحقا أن ما ظنه إبداعا لم يكن كذلك، أو أن نصا متواضعا يحمل قيمة خفية. لذلك فإن الشعر بين الإبداع والإخفاق ليس خطا فاصلا، بل مساحة متحركة يعيش فيها الشاعر وهو يكتب، ويعيد اكتشاف نفسه مع كل محاولة جديدة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) كتاب الإبداع، د. عبد الحليم محمود السيد، دار المعارف، 1977، ص 46.
(**) كتاب الإبداع العام والخاص، سلسلة عالم المعرفة، تأليف ألكسندر وروشكا، ترجمة: د. غسان عبد الحي أبو فخر، ص 83.
