
حين يُطفأ البيت من الداخل- قصة قصيرة
رانية مرجية
لم تكن العودة إلى البيت عودةً إلى الطمأنينة. كانت أشبه بفتح بابٍ على نسخةٍ قديمة من الذات، لم تعد تعرف إن كانت ما زالت حيّة فيها أم أنها بقيت هناك فقط كأثر.
البيت لم يتغير كثيرًا. الجدران في مكانها، الضوء يدخل من النوافذ كما اعتاد أن يفعل، والأشياء الصغيرة تواصل حياتها اليومية كأن شيئًا لم يحدث. لكن الإنسان هو الذي يتغيّر أولًا… ثم يبدأ العالم من حوله في فقدان وضوحه.
بعد الفقد، لا يعود الحزن حدثًا يمكن احتواؤه. يصبح طريقة في النظر. التفاصيل تكبر، المعاني تتداخل، واليقين يتراجع خطوة بعد خطوة دون أن يعلن انسحابه.
في البداية، حاولت أن تتمسك بفكرة أن كل شيء يمكن أن يعود كما كان. أن البيوت تُصلح نفسها بالصبر، وأن الزمن كفيل بإعادة التوازن. لكن شيئًا خفيًا كان يعمل في العمق، أبطأ من الفهم، وأكثر قسوة من التفسير.
كلمة تُقال في لحظة تعب،
صمت يطول أكثر مما يجب،
نظرة لا يُعرف هل هي عادية أم محمّلة بشيء آخر…
هكذا، دون إعلان، يبدأ التشقق الحقيقي. ليس في المكان، بل في المعنى.
ثم حدث ذلك اليوم الصغير الذي لم يكن يبدو مهمًا في بدايته.
جملة عابرة لم تُفهم كما قيلت. أو ربما فُهمت أكثر مما ينبغي. لم يكن المهم ما قيل، بل ما استقر في الداخل بعده. تلك اللحظة التي لم يعد فيها الشيء نفسه يحتمل تفسيرًا واحدًا.
ومن هناك، لم يعد كل شيء واضحًا كما كان.
في الليل، كان البيت يهدأ، لكن داخلها لم يكن يهدأ.
الصمت لم يعد صمتًا، بل مساحة ممتلئة بأصوات غير مرئية: احتمالات، أسئلة، ومخاوف لا تحتاج إلى دليل كي تبدو حقيقية.
شيئًا فشيئًا، بدأت تدرك أن الخطر ليس في ما يحدث خارج الإنسان فقط، بل في الطريقة التي يبدأ بها العقل بإعادة ترتيب الواقع عندما يتعب من الفهم. حينها، لا يعود يرى الأشياء كما هي، بل كما يستطيع أن يتحمّلها.
وفي لحظة متأخرة من الإدراك، فهمت ما لم تكن تريد فهمه:
أن البيوت لا تنهار دفعة واحدة، ولا تُكسر بصوت عالٍ.
هي تُطفأ من الداخل… حين يغيب الإصغاء، وحين يصبح كل طرف أسير روايته الخاصة للعالم.
وقفت في منتصف المكان، وشعرت بشيء يشبه الانفصال الهادئ. ليس عن البيت فقط، بل عن النسخة القديمة من اليقين.
لم يكن هناك انهيار، ولا صراخ، ولا إعلان نهاية.
كان هناك فقط إدراك ثقيل، متأخر قليلًا:
أن ما كان يبدو ثابتًا… لم يكن ثابتًا.
وأن ما كان يبدو واضحًا… لم يكن واضحًا كما ظنّت.
وفي النهاية، بقي السؤال الذي لا يُغلق بسهولة:
هل يتغير البيت حين يتغير من حولنا؟
أم حين يتغير فينا نحن، بصمتٍ لا ننتبه له إلا متأخرًا؟
البيت لم يجب.
لكنه بقي هناك… كما هو.
صامتًا بما يكفي ليبدو وكأنه يعرف أكثر مما يقول
رانية مرجية
كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات
