للذهاب الى صفحة الكاتب   

وجهة نظر

أسئلة الشعر: مقالات في الفهم والتأويل

(6) الأسلوب وما يميز شاعرًا عن آخر

صالح مهدي محمد

 

ما من الأسلوب في الشعر مجرد طريقة في ترتيب الكلمات، بل هو الأثر الخفي الذي يتركه الشاعر في اللغة، بصمته التي لا تُرى مباشرة لكنها تُحسّ في كل سطر. ما يميز شاعرًا عن آخر لا يكمن في الموضوعات وحدها، فالكثير من التجارب الإنسانية مشتركة، بل في الكيفية التي تُقال بها هذه التجارب، في النبرة، في الإيقاع، في زاوية النظر التي تجعل المألوف يبدو جديدًا. الأسلوب هو تلك المسافة الخاصة بين الشاعر والعالم، حيث يعيد صياغته بلغته الخاصة، فيمنحه طابعًا لا يتكرر. من هنا لا يكون الأسلوب حليةً خارجية، بل هو جوهر التجربة كما تتجلى في التعبير.

 

ويبدأ تميز الأسلوب من العلاقة التي يقيمها الشاعر مع اللغة، هل يتعامل معها كأداة جاهزة، أم كمجال مفتوح للاكتشاف. الشاعر الذي يمتلك أسلوبًا خاصًا لا يكتفي باستخدام الكلمات كما هي، بل يعيد ترتيبها، يختبر حدودها، ويمنحها دلالات جديدة. في هذا التفاعل تنشأ خصوصيته، حيث لا تبدو مفرداته غريبة بالضرورة، لكنها تُقال بطريقة لا يمكن فصلها عنه. بينما يظل الشاعر الذي لم يبلور أسلوبه أسير القوالب الجاهزة، يعيد إنتاج ما هو مألوف دون إضافة تُذكر.

 

كما أن الأسلوب يتجلى في الإيقاع، ما يقتصر على الوزن أو الموسيقى الظاهرة، بل في النبض الداخلي للنص، في طريقة تدفق الجمل، في التوازن بين الامتلاء والفراغ. لكل شاعر إيقاعه الخاص، حتى في قصائد النثر، حيث يمكن تمييز صوته من خلال طريقة تنفس النص. هذا الإيقاع لا يُصنع بقرار واعٍ فقط، بل ينبثق من تداخل التجربة مع اللغة، ومن حساسية الشاعر تجاه ما يكتب. هنا يصبح الإيقاع جزءًا من الهوية، لا مجرد عنصر تقني.

ومن جهة أخرى، يظهر الأسلوب في نوع الصور التي يخلقها الشاعر، في علاقته بالمجاز، في قدرته على رؤية الأشياء من زوايا غير متوقعة. هناك من يميل إلى التكثيف والاقتصاد، وهناك من يختار الامتداد والتفصيل، وكلاهما يمكن أن يكون إبداعًا إذا جاء منسجمًا مع طبيعة التجربة. ما يميز الشاعر ليس فقط قدرته على ابتكار الصورة، بل على جعلها تبدو ضرورية، كأنها الطريقة الوحيدة الممكنة للتعبير عما يريد قوله.

 

ولا ينفصل الأسلوب عن الرؤية، فطريقة الكتابة تعكس طريقة النظر إلى العالم، إلى الذات، إلى الزمن. الشاعر الذي يمتلك رؤية واضحة، حتى لو كانت معقدة، ينعكس ذلك في أسلوبه، في اختياراته اللغوية، في نبرة صوته.

أما غياب الرؤية فيجعل الأسلوب متذبذبًا، غير مستقر، يتغير بتغير التأثيرات الخارجية دون أن يستقر على ملامح خاصة. من هنا، لا يمكن فصل الأسلوب عن العمق الداخلي للتجربة.

 

عندئذٍ ، لا يُبنى الأسلوب دفعة واحدة، بل يتبلور على امتداد الزمن، من خلال الكتابة المستمرة، والقراءة الواعية، والتجريب الذي لا يخلو من التعثر. قد يمر الشاعر بمراحل يقلد فيها غيره، أو يبحث عن صوته، لكن مع الاستمرار تتبلور ملامحه، ويصبح قادرًا على أن يُكتب من داخله لا من خارجه. حينها فقط يمكن القول إن هذا الشاعر يختلف، لا لأنه يقول أشياء مختلفة دائمًا، بل لأنه يقولها بطريقة لا تشبه سواه، وهذه هي العلامة الأوضح على حضور الأسلوب وتميزه.