للذهاب الى صفحة الكاتب   

وشوشةُ الحبر

سعيد إبراهيم زعلوك

 

في جَوفِ تِلكَ الزَّوايا حَيثُ يَنغَمِسُ الضِّيـاءُ بِلُجَّةِ العَتَمَةْ

تَغفو المُجَلَّداتُ..

 تَرتاحُ مِنْ تَعَبِ العُصورِ وَثِقْلِ لَهفَتِها

والغُبارُ؟ لَيسَ تُراباً..

إِنَّهُ وَقتٌ تَراكمَ فَوقَ وَجهِ الوَرقْ!

 

إِنَّهُ كُحلُ السِّنينَ

عَلى عُيونِ المَخطوطاتِ التي صَمَتتْ طَويلاً

كَي تَقُولَ لَنا "الحَقيقةَ" في هُدوءٍ بَعدَ دَهرْ.

 

إِنَّ هَذِهِ الرُّفوفَ لَيستْ مَخازِنَ لِلكَلامْ

بَل هيَ مَرايا تَعكِسُ الأَرواحَ وهيَ تَمُرُّ،

حَيثُ يَغدو كُلُّ كِتابٍ نافِذَةً تطلُّ عَلى الحَياةْ،

وَلَو نَطَقَ الحِبـرُ.. لَسـالَ عِطراً أَو دُموعاً أو خَيـالْ،

وَلَخَرَجَتْ مِنْ بَينِ الصَّفحاتِ أَصواتُ الذينَ بَنوا،

وَضحكاتُ الذينَ نَجوا، وَأَغاني العُشّاقِ في لَيالي الوَجدْ.

 

تَأَمَّلْ تِلكَ "الهَوامِشَ" التي نَبَتتْ كالعُشبِ بَينَ السُّطورْ،

إِنَّها لَمَساتُ بَشَرٍ مِثلِنا.. تَرَكوا هُنا بَعضاً مِن صِدقِهِمْ؛

هُنا طالِبٌ يَتَمَنّى الغَدَ،

وَهُناكَ قَلَمٌ تَعَثَّرَ في "نُقطَةٍ" بَيضاءَ مِن فَرَحْ،

وَرَسائِلُ مَطوِيَّةٌ.. ما زالَ فيها طَعْمُ الحَنينِ وَرَعشَةُ الأَمَلْ،

كَأَنَّها نَبضٌ تَمَسَّكَ بِالوَرقْ.. كَي لا يَضيعَ في زِحامِ المَوتْ.

 

يا أَيُّها العابِرُ في مَمراتِ الذَّاكِرَة..

رِفقاً بِرُوحِكَ حِينَ تَلمَسُ هَذا الزَّمانَ المُجَلَّدْ،

فَأَنتَ لا تَقرأُ حُروفاً.. بَل تُصافِحُ عُمراً مَضى،

وَتَستَعيرُ ضَوءاً مِن عُقولٍ أَحرَقَتْ أَيّامَها لِتُنيرَ دَربَكْ.

 

إِنَّ المَكتَبَةَ هُنا لَيستْ صَمتاً،

إِنَّها ضَجيجُ الحَياةِ حِينَ يَهدأُ لِكَي يَبقى،

وَصِراعٌ بَينَ جَسَدٍ يَغيبُ.. وَفِكرَةٍ تَبقى لِتُولَدَ مِن جَديدْ!

 

فَاقرأْ بِقَلبِكَ..

فَفي جَوفِ هَذِهِ الكُتُبِ، تَنبِضُ الحَقيقَةُ بِالمَعنى،

وَتَستَفيقُ البَشَرِيَّةُ بِيَقينِها.. في "هامِشٍ" يَنْتَظِرُ عَيْنَيكْ.

 

سعيد إبراهيم زعلوك