
ميخائيل فانوس و”مسرح الحياة”…
هناك تعلّمت أن الإنسان يمكن أن يُعاد خلقه
رانية مرجية
سألوني يومًا، وربما أكثر من مرة:
من أين يأتي هذا الحب العميق للمسرح؟
كيف يصبح المسرحيون بهذا القرب من الروح، لا مجرد أسماء على خشبة بعيدة؟
وكيف تتحول الخشبة إلى أكثر من مكان للعرض… إلى معنى، إلى انتماء، إلى حياة كاملة؟
فكنت أجيب دائمًا دون تردد:
من الرملة.
من المركز الجماهيري العربي.
ومن تجربة اسمها: ميخائيل فانوس.
هناك بدأت الحكاية التي لم تنتهِ في داخلي حتى اليوم.
لم تكن مرحلة عمل عابرة، ولا وظيفة تُضاف إلى سيرة مهنية. كانت سنوات من التكوين الإنساني العميق، تعلّمت فيها أن الثقافة ليست نشاطًا يُدار بالموازنات والبرامج، بل قدرة حقيقية على إنقاذ شيء هشّ داخل الإنسان قبل أن ينكسر تمامًا. وهناك فهمت للمرة الأولى أن الفن ليس ترفًا، بل أحد أشكال النجاة.
عملت هناك مركّزة للمسرح، إضافةً إلى كوني مديرة لمشروع تعليم النساء وإنهاء الصف الثاني عشر. لكن هذا المشروع لم يكن بالنسبة لي، ولا بالنسبة إلى مئات النساء اللواتي دخلنه، مجرد مسار تعليمي عادي. كان محاولة صامتة لاستعادة الحياة من جديد.
كنا نرى نساءً يعدن إلى مقاعد الدراسة بعد سنوات طويلة من الانقطاع، يحملن صمتًا ثقيلًا، وتجارب حياة معقدة، وأحلامًا مؤجلة، وكرامة تبحث عن نافذة صغيرة تعود منها إلى الضوء.
لكن ما كان يحدث داخل الصفوف لم يكن تعليمًا بالمعنى التقليدي فقط، بل تحوّلًا داخليًا عميقًا.
امرأة تخاف أن تكتب اسمها، تصبح قادرة على القراءة والتعبير.
وأخرى كانت تظن أن العمر انتهى، تكتشف أن البداية ممكنة في أي لحظة.
لم يكن التعليم شهادة تُعلّق على جدار، بل محاولة متأخرة كي يقول الإنسان لنفسه:
ما زلت أستحق فرصة أخرى.
هناك تغيّرت علاقتي بالناس أيضًا.
صرت أرى الإنسان كحكاية غير مكتملة، لا كصورة جاهزة.
وربما لهذا أحببت المسرح لاحقًا؛ لأنه الفن الوحيد الذي يعامل البشر ككائنات قابلة للتحوّل دائمًا.
لكن المسرح…
كان شيئًا آخر تمامًا.
كان القلب.
ومع ميخائيل فانوس، وُلد “مسرح الحياة”.
لم يكن مشروعًا إداريًا داخل مركز جماهيري، بل رؤية ثقافية وإنسانية حاولت أن تقول ببساطة:
إن للناس حقًا في الجمال، وفي التعبير، وفي أن يروا أنفسهم على الخشبة لا كظلّ عابر، بل كحضور كامل.
كان يؤمن أن الرملة، بكل ما تحمله من تعب وتنوع وصعوبات، تستحق مسرحًا مهنيًا حقيقيًا، وأن الثقافة ليست امتيازًا للنخب، بل حاجة يومية للناس الذين يعيشون الحياة بكل ثقلها وصدقها.
ذلك الإيمان لم يكن شعارًا، بل ممارسة يومية.
لم يكن ميخائيل فانوس مديرًا تقليديًا، بل صاحب رؤية يعرف أن المؤسسة الثقافية ليست جدرانًا وبرامج، بل قدرة على خلق معنى جماعي للناس.
كان يرى في المسرح أداة لبناء الإنسان، لا فقط لإنتاج العرض.
وكان يدرك أن طفلًا يدخل المسرح للمرة الأولى قد تتغيّر داخله أسئلة العمر كله، وأن شابًا يقف على الخشبة قد يكتشف صوته الحقيقي للمرة الأولى، وأن مدينة كاملة يمكن أن تستعيد شيئًا من روحها عبر الفن.
لهذا لم يكن “مسرح الحياة” مساحة عروض فقط، بل مساحة وجود.
هناك رأيت الإنسان يُعاد خلقه أمامي.
يدخل الخشبة مثقلًا بحياته، ويخرج منها أخفّ قليلًا، أو أوضح، أو أقل خوفًا من نفسه.
كنا نعمل بشغف يشبه الإيمان.
نركض بين البروفات والنصوص والأحلام، نناقش، نجرّب، نخطئ ونبدأ من جديد. لكننا كنّا نعرف، في مكان عميق داخلنا، أننا لا نصنع عرضًا مسرحيًا فقط، بل نصنع ذاكرة ثقافية لمدينة كاملة، ونمنح الناس حقهم في أن يكون لهم فن يشبههم ويحكيهم.
ومع الوقت، لم يعد “مسرح الحياة” مجرد اسم.
صار حالة.
صار بيتًا.
وصار مساحة يقول فيها الإنسان:
أنا موجود.
أرى نفسي.
وأُرى.
أما ميخائيل فانوس، فكان من أولئك القلائل الذين لا يرفعون أصواتهم كثيرًا، لكنهم يتركون أثرًا عميقًا في كل مكان يمرّون به.
كان يؤمن بالناس قبل أن ينجحوا، وبالأفكار قبل أن تُثبت نفسها، وبالشباب والنساء والفنانين قبل أن يمنحهم المجتمع فرصته الكاملة.
تعلمت منه أن الثقافة ليست ترفًا، بل مسؤولية أخلاقية.
وأن المسرح ليس زينة للحياة، بل طريقة لفهمها.
وأن المؤسسة يمكن أن تتحول إلى بيت حين يقودها إنسان يرى الإنسان قبل النظام.
واليوم، حين أعود إلى تلك السنوات، لا أراها كذكرى عمل، بل كمرحلة ولادة داخلية كاملة.
أرى نساءً عدن إلى التعليم ليقلن للحياة إنهن ما زلن قادرات على البدء.
وأرى مسرحًا وُلد من الإيمان لا من الإمكانيات.
وأرى رجلًا منح الثقافة عمره، ومنح الناس ثقة لا تُنسى، وآمن أن الفن قادر على أن يجعل الإنسان أكثر إنسانية.
ولهذا، حين يسألني أحدهم عن سرّ حبي للمسرح والمسرحيين، لا أبحث عن إجابة معقدة.
أقول ببساطة:
لأن “مسرح الحياة” لم يكن مجرد مشروع…
بل كان لحظة وعي كاملة في حياتي.
ولأن ميخائيل فانوس لم يكن مجرد مدير…
بل من أولئك النادرين الذين يمرّون في حياة
الناس بهدوء، ثم يكتشفون بعد سنوات أنهم غيّروا شكل أرواح كاملة دون ضجيج.
