للذهاب الى صفحة الكاتب   

منجز قاسم الساعدي وسط معارض الفنون المعاصرة في أوروبا

تيسير عبدالجبار الآلوسي

 

 

لابد من إطلالة على حدثين فنيين مهمين أُقيما مؤخرا في هولندا؛ وقد كان للإبداع العراقي مساهمة مهمة فيهما.. كان ذلك في سلسلة مشاركات كاليري فرانك فيلكنهاوزن، إذ شهدت مدينة زايست الهولندية التي تتسم بنظامها التقليدي وتاريخه العريق وجماليات معمارها، معرض الفنون والتحف بمساهمة  مميزة كالعادة لكاليري فرانك فيلكنهاوزن وذلك في المدة بين 16-19 من أبريل 2026  ثم  جاءت المشاركة الأبرز يوم 22 – 26 أبريل نيسان  2026 في معرض كونست راي أمستردام.

وتجدر الإشارة إلى المكانة المرموقة للمعرض السنوي كونست راي  وهو المعرض الذي تأسس عام 1985، والذي أصبح اليوم أحد أهم معارض الفنون في التنوع والشهرة بهولندا. تضمن ذلك الحدث الفني السنوي مساهمة    100 صالة عرض مختارة بعناية من داخل هولندا وخارجها إلى جانب مجموعةً من اللوحات المعاصرة، والصور الفوتوغرافية، والتصاميم العتيقة، مع تنامي واضح لتجارة المنجز الفني، والكتب الفنية مما يلفت نظر هواة جمع الأعمال الفنية المخضرمين، وعشاق الفن الشباب والمهنيين.

لقد شهد معرض الكونستراي بأمستردام في فعاليات الدورة الأخيرة، الحادية والأربعين: ساحة المنحوتات، مع جلسات حوار مُعمّقة في المعرض ومنجزاته بتنوعاتها، عرّفت الزوار بالأعمال الفنية والمضامين أو القصص التي تقف وراءها.

وسط تلك البيئة لا المحلية بل العالمية الكونية في فضاء وجودها كانت مساهمة الفنان العراقي عبر منصة فرانك فيلكنهاوزن قد جذبت الأنظار بوضوح حتى أنها استنفدت المعروض بصورة شبه كاملة في اقتنائها من جمهور بعينه..

أما لماذا أعمال الفنان الساعدي فعدا عن وصفها المميز بروحه الجمالي وبهويته وانتمائه ومحمولاته السومرية حضارةً هناك عوامل أخرى لعل من بينها فكرة تعامله مع النحاس مادة أولية لإبداعه ومفردات تعبيره الجمالي.. وأغلبنا يدرك القيمة الفنية للأعمال النحاسية كونها علامة فريدة تجمع بين  الطبيعة المرنة لهذا المعدن من جهة وبين براعته الحرفية.

فالنحاس يوحد المتانة العالية مع الألوان الدافئة، الأمر الذي وجده الفنان قاسم الساعدي مثلما المتعاملين به من الفنانين الكبار أداةً مطواعة مهمة لتجسيد إبداعاتهم الفنية وقدراتهم على زخرفة اللوحة، ومن الطبيعي أن تصل بعمق البصيرة إلى هوية الإبداع في عمل الساعدي وأنت تدرك ثبات وديمومة العمل الفني النحاسي مع مرور الزمن ما يعزز قيمته بكل معانيها ومسارات أدائها..

وإذ نلتقي مع أعمال المبدع المتألق قاسم الساعدي لن نكتفي بقراءة تقليدية للأعمال النحاسية كونها تتضمن عناصر القيمة الفنية من مرونة وطابع تشكيل لأنّ النحاس بين يدي الساعدي وأنامله الخلاقة يتدفق بقابلية عالية لطَرَقاته وقدرته على التحكم بشكله النهائي، ما سمح له بتطويعه والسيطرة على تفاصيل من فن (المنمنمات) الدقيقة في إنجاز تفاصيل عمله، سواء كان العمل مجسما أو مسطحا بطريقة اللوحة المرسومة بزخارفها المتنوعة.

أعمال الساعدي تمتلك أساليب تزيين متعددة وربما تضمنت توظيف النقش مرات والحفر في أخرى مع رسم تفاصيل دقيقة من مختلف الخطوط على سطح عمله النحاسي.. ولعل عشاق الفن يدركون أهمية التعمق والتنقيب عن اشتغالاته البارزة مرة والغائرة في أخرى بجانب تلك الإشارات من ثقوب تحتل مكانها بدقة واختيار جمالي مثير للمعاني وتوالدها في أذهان من يتلقى ويشاهد..

ومن الأكيد أن تجد طرَقات إزميل الساعدي تمنح عمله أبعادا ثلاثية وتجسيما أو تكوينا دالا سرعان ما يبحث عن نتائج فعاليات أخرى كالتطعيم أو دمج معادن أخرى مثل الفضة لإيجاد التعدد أو التباين اللوني وما يثيره من جاذبية دع عنك توظيفه تأثيرات الأكسدة (الزنجار) بخاصة عندما يستخدم بقايا من معمولات أو مشغولات منها حربية مثلا؛  هنا سنشهد الخضرة المائلة إلى زرقة بدرجة بعينها  ربما كانت على سبيل المثال متأتية من الزنجار..

 لكن ما هوية مجمل أعمال الساعدي التي شهدتها قاعات العرض الأخيرة واحتلت مكانها ومكانتها لدى جمهور الفن ومن يقتني تلك الأعمال بخاصة مع قدرة بقائها لزمن أطول من اللوحة العادية.. أقول لعل تعامله مع جذوره التاريخية البعيدة الغائرة في مراحل زمنية مبكرة من تاريخ العراق موئله الأول وارتباطه بالإرث السومري تحديدا الذي يظهر في لوحاته رموزا ومعالم حية لمنجز حي.. إن ذلك يعطي قيمة مضافة لقراءة جماليات تلك الأعمال هي القيمة الثقافية الثرة بمداليلها والتاريخية الغنية بإشاراتها وهنا أنت لا تحتفظ بقطعة ديكور منزلي بل بقطعة تحكي ذياك الموروث ليس في قطع مهمة ولكن حتى في الإحالة إلى معمار مراحل تاريخية مازالت شاهدا حيا بآثارها لكنها تتحول هنا إلى منجز حي معاصر بأعمال الساعدي.

 

 

من معرض أقيم أيام 22-26 أبريل 2026 في العاصمة الهولندية أمستردام

Galerie Frank Welkenhuysen Kunst RAI 2026

ماذا وجدنا في لوحات الساعدي؟ وماذا قرأنا هناك؟

مبدئيا يُعد كاليري فرانك فيلكنهاوزن أحد أبرز الكاليرهات الفنية وأكثرها في حركة بورصة اللوحات والفن والانتشار وسط جمهور عشاق الفن وجمالياته وإبداعاته ولعل ذلك يشكل ركنا حيويا استوعب حجم الإبداع وتميزه وهويته لدى قاسم الساعدي وقدمه عبر أغلب عروضه إن لم نقل جميعها في السنوات الأخيرة المنصرمة وطبعا هذا الكاليري يضم روائع لوحات مبدعين من هولندا وعموم أوروبا من تلك الأسماء الخالدة الباقية بروائعها مما يضع كل جديد منه في كل عرض له..

 

في أثناء زيارتي لمعرض الفنان الكبير الأستاذ قاسم الساعدي وسط أعماله التي حظيت باستقطاب كبير لجمهور الفن

أما قاسم نفسه فإنّ حكاياته عندما تبدأ لا تضع لها نهاية إذ تبقى شغوفا بالاستماع إلى المزيد منها سواء بأشكال تعاونه مع مبدعات ومبدعين أم مع كاليرهات تطارد أعماله فبين خامتها متعاظمة القيمة مع مرور الزمن وتقادمه عليها وبين أساليب التكنيك الموظّفة وما تثيره من جماليات باجتماعها وتضافر بناء مفردات خطابها الجمالي بين هذا وذاك تتعاظم قيمة مضافة تختزن موضوعات نابعة من جذور التاريخ وحضارة سومر واستدعاء منظومتها القيمية ولمسات تحكي عصرنا ورموزه وشفراته الدفيئة بحيوية تفاعلها مع ذائقة المتلقي وهي ترسم بخطوطها ومنحنياتها وألوانها وحركتها الضوئية ونوافذ محفورة بثقوب الذاكرة التي تأبى أن تتشتت بل تلتحم في بؤرة المنجز الفني لتطل عبر نوافذها كل عمل على عوالم مثيرة لخيالات بلا منتهى إنها المرأة العطاء، وهي النخلة و\أو الشجرة المثمرة وهي الطبيعة وما وراءها من سماء تتزاوج مع تراب أرض تتقمص الإنسان لتتجسد كائنات تمتلك أساطيرها الخالدة في مداليل بلا منتهى كأنها نهر متجدد لا يتكرر وحين تجتمع تصير بحارا ومحيطات تتسع لهموم الناس ومحمولاتهم الفلسفية الأعمق..  كل ذلك وغيره يتجسد في مجسَّمات أو أسطح مستطيلة أو دائرية أو بتشكيلات أخرى جميعها تخط مكنوناتها وأسرارها بأزميل مسماري وأنامل موجِّهة هي أنامل فناننا قاسم الساعدي..

 

وبعد فلكل عمل وقفاته المتنوعة الغنية الثرة وهو ما يمكن أن تطول وقفاتنا المشتركة معه مع كل عمل نلتقيه ونقرأ فيه وعبره رحلة إلى فضاء بعيد قصي يتجه بنا عميقا بأغوار النفس وما تمتلكه من ذائقة مرة ومن معارف ومعلومات في مرات أخرى، لتنقل تلك الأعمال الفنية الخالدة ما تنصتت إليه من همس حفيف الأشجار وحفيف أمواج النهر وخريره ومن حوارات تُبرزها إلينا تلك الخطوط المحفورة كما ألأواح سومرية لكنها ليست من لُقى الأمس بل من مشغولات إبداعية لحاضرنا ودور يسجل للمبدع المتألق الساعدي ما توصل إليه من سحر إسطوري غني المعارف..

 

وها نحن من بعد بشوق لمعارض جديدة بعد أن أفرغ مشغولاته السابقة أغلبها أو جلّها بل جميعها في المعارض الأخيرة.. لكن يبقى الصائب ألآ تذهب كل تلك المشغولات الإبداعية في وسط بيوت عشاق الفن في أوروبا ودول أخرى بل يحق للعراق أن يقتنيها ويضعها في متاحف تليق بها كونها الذخر لزمننا ولشعب ينتمي إليه أحد فناني الشعب بمنجزه الفريد.. فهل سننشهد ذلك في بغداد أو محافظات الوطن حقا؟ أم سيبقى إهمال الإبداع والمبدعين ديدن سلبي خطير؟ حتما كلا وحتما سيكون لمنتجي الفن الحديث في الوطن دورهم في تغيير المعالدة واستعادة الميزان وثروات ما يقيس ويقرأ من عيار الذهب الخالص