للذهاب الى صفحة الكاتب   

وجهة نظر

أسئلة الشعر: مقالات في الفهم والتأويل

(14) الشاعر يرى ما لا يراه الآخرون

صالح مهدي محمد

 

ما برحت عبارة "الشاعر يرى ما لا يراه الآخرون" مجردَ مديحٍ مجازي، أو محاولةً لمنح الكاتب هالةً من الغموض المصنوع، بل هي رصدٌ دقيقٌ لآلية عمل حواس ترفض الامتثال للمألوف، وتتمرّد على حدود الرؤية الاعتيادية التي تكتفي بسطح الأشياء. وهي، في جوهرها، تعبيرٌ عن طاقة إدراكية مضاعفة، تجعل الشاعر ينفذ إلى ما وراء المرئي، ويصغي إلى ما لا يُقال، ويعيد ترتيب العلاقة بينه وبين العالم على أساس الدهشة لا العادة؛ إذ لا تعود الأشياء كما هي في نظر الآخرين، بل تنفتح على احتمالاتها الكامنة، وتغدو قابلة لأن تُرى من زوايا غير مأهولة، حيث يتقاطع الإحساس بالفكرة، وتتماهى الرؤية مع التأويل.

 

فالناس يعبرون الشارع ويرون الإسفلت وإشارات المرور ووجوه المشاة العابرة، بينما يقف هو عند تصدّعٍ صغيرٍ في جدارٍ قديم، يرى فيه جغرافيا كاملة من النسيان والعزلة؛ حيث تصبح الأشياء المهملة التي تسقط من حسابات اليومي المزدحم هي المركز وهي المبتدأ. فالإنسان العادي يمرّ بالشيء ليستخدمه أو ليتجاوزه، أما الشاعر فيمرّ بالشيء ليتورّط فيه، ليفكّك بنية اللمس والسمع ويعيد صياغتها في سياقٍ مغاير.

 

إنها حالة من الاندهاش المستمر، ذلك النوع من الدهشة الذي لا يرتبط بالغرابة بل بالعمق، بالقدرة على إيجاد الرعب أو الجمال في تفصيلٍ مهملٍ لم يلتفت إليه أحد؛ كأن يراقب غبارًا يتطاير في حزمة ضوء نافذة مهجورة فيرى فيه حركةً كونيةً صامتةً لحياد الوجود، أو أن يستمع إلى ضجيج الشارع الصاخب فلا يصله منه سوى النبرة المنخفضة لامرأةٍ تبيع الوقت عند الرصيف.

 

هذا التدفق الحسي يجعل من الكتابة عملية إزاحة مستمرة؛ إزاحةً للواقع السائد واستبداله بواقعٍ موازٍ يتشكّل من الحركة الداخلية للأشياء، لا من مظهرها الخارجي. فالأشياء من حولنا انتفت عنها صفة الصمت، والشاعر وحده من يملك التردّد المناسب لالتقاط ذبذباتها، فهو ذلك الجهاز الذي يلتقط الموجات القصيرة والخافتة، كموجات البيوت المخفية خلف ظلال العمارات الشاهقة، وموجات الصدأ الصاعد على حديد الشرفات، وموجات النظرات الكثيفة التي تضيع في الزحام دون أن تجد من يستقبلها.

 

هنا تحديدًا يكمن مفهوم الاغتراب أو الانزياح عن السائد، فالرؤية المكثفة تقتضي بالضرورة نوعًا من الانفصال، نوعًا من الوقوف على مسافةٍ كافيةٍ تتيح للعين أن ترى المشهد بأكمله دون أن تذوب في تفاصيله الاستهلاكية. هذا الانفصال ليس هروبًا، بل هو مواجهة حقيقية مع جوهر الكينونة؛ حيث تصبح الكلمات أداةً لتسجيل حركة الروح وهي تلامس المادة، وحيث تغيب الحدود التقليدية بين الذات والموضوع ليصبح كل شيء قابلًا لأن يكون امتدادًا للجسد، أو فكرةً معلّقةً في الفراغ.

 

إن الكتابة الحديثة التي تبحث عن المعنى في الهامش وفي الزوايا المتروكة تتطلب لغةً جافةً وقاسيةً أحيانًا، لغةً تتخلى عن الزخرف المجاني وتكتفي برصد الحركة البِكر للأشياء دون إقحام لعواطف مستهلكة؛ لغةً تعتمد على ضبط الإيقاع الداخلي للجملة بحيث تتدفق كأنها نهرٌ هادئ، لكنه يحمل في قاعه صخورًا حادة.

 

فالشعر لا يحتاج إلى صراخ، بل إلى تلك النبرة الهادئة الخفيضة التي تهمس في أذن القارئ وتجعله يلتفت فجأةً إلى جدار غرفته ليرى فيه ما لم يره طوال سنوات. إنها إعادة صياغة للوعي، وتدريب مستمر على إبصار الخفي، وجعل المألوف غريبًا ومدهشًا في آنٍ واحد؛ لكي نكتشف في النهاية أن العالم الذي نظن أننا نعرفه جيدًا هو في الواقع عالمٌ مجهول، مليء بالثقوب والمسافات الفاصلة التي لا يملؤها سوى الشاعر الصامت الذي يجلس في زاوية المقهى، يراقب حركة الكؤوس وتطاير الدخان، ويكتب ببطءٍ شديدٍ تاريخ الأشياء التي ظنّ الجميع أنها بلا تاريخ.