للذهاب الى صفحة الكاتبة   

قصة/ ليان… حين يصبح العيش مع الاختلاف معركة من أجل الكرامة

رانية مرجية

 

في مدينة لا تُجيد النظر بعمق إلى المختلفين، كانت تعيش فتاة تُدعى ليان.

لم تكن قصتها بسيطة. فمنذ طفولتها، كانت تواجه صعوبات معقدة في التفاعل مع العالم من حولها. شُخّصت لاحقًا بطيف التوحد، ومعه اضطراب الصرع، إلى جانب اضطرابات نفسية أثرت على إدراكها واستقرارها اليومي.

لكن ليان، رغم كل ذلك، لم تكن ترى نفسها “حالة طبية”. كانت ترى نفسها إنسانة تحاول أن تفهم العالم، وأن تجد مكانًا آمنًا فيه.

 

عالم لا يشبهها

في المدرسة، كانت الكلمات تصل إليها بطريقة مختلفة. ما يمرّ عند الآخرين ببساطة، كان يتحول عندها إلى تفاصيل مرهقة ومتشابكة تجعل التواصل مهمة شاقة.

 

لم تكن ترفض الفهم أو التواصل، لكنها كانت تحتاج وقتًا وطريقة مختلفة. ومع ذلك، لم يكن هذا الاختلاف مفهومًا دائمًا من المحيطين بها.

فكان الصمت خيارها المتكرر… ليس غيابًا، بل محاولة للحماية من عالم سريع أكثر مما تحتمل.

 

الجسد الذي لا يُنذر دائمًا

مع مرور السنوات، بدأت نوبات الصرع تظهر في حياتها بشكل مفاجئ، تقطع لحظات وعيها وتربك علاقتها بجسدها وزمنها.

كانت تستيقظ بعد كل نوبة وهي تحاول أن تستعيد الإحساس بالمكان والوقت، وكأنها تعود من غياب قصير لا ذاكرة لها فيه.

ورغم الصعوبة، لم تتوقف محاولتها للاستمرار.

 

صراع داخلي صامت

إلى جانب التحديات العصبية والجسدية، مرت ليان بفترات من الاضطراب النفسي، جعلت أفكارها ومشاعرها أحيانًا ثقيلة ومتشابكة، وصعبة الفهم حتى عليها.

لكن رحلتها مع الأطباء والمحيطين بها ساعدتها تدريجيًا على فهم نفسها بشكل أعمق، والتعامل مع ما تمر به بطريقة أكثر استقرارًا.

وتعلمت أن الفهم ليس لحظة واحدة… بل مسار طويل من التدرّج والتقبل.

 

الأم… السند الأول

في قلب هذه الرحلة، كانت والدتها هي الثبات الوحيد تقريبًا.

لم تكن تملك حلولًا سحرية، لكنها كانت تملك شيئًا أهم: الحضور.

كانت تمسك بيد ابنتها في اللحظات الصعبة، وتعيدها بهدوء إلى واقعها، دون ضغط أو حكم، فقط دعم صامت يقول: “أنا هنا”.

 

الكرامة كاختيار يومي

مع الوقت، بدأت ليان تبني طريقة خاصة للعيش.

تعلمت كيف تتعرف على حدودها، متى تتوقف، متى تطلب المساعدة، وكيف تحمي نفسها من الانهاك.

لم يكن الطريق سهلًا، لكنه منحها شيئًا ثمينًا: القدرة على الاستمرار دون إنكار ذاتها.

وأصبحت ترى أن الكرامة ليست في التشابه مع الآخرين، بل في أن تُمنح حق العيش كما أنت.

 

رسالة إنسانية أوسع

قصة ليان ليست حالة فردية فقط، بل تعكس واقع كثير من الأشخاص الذين يعيشون مع اضطرابات عصبية ونفسية، ويواجهون يوميًا تحدي الفهم والقبول داخل المجتمع.

المسألة ليست طبية فقط، بل إنسانية أيضًا: كيف ننظر إلى المختلف؟ وهل نمنحه مساحة حياة تقوم على الفهم لا الوصمة؟

 

خاتمة

ليان لم تصل إلى نهاية مثالية، لكنها وصلت إلى ما هو أهم: طريقة للعيش دون انكسار.

وفي عالم ما زال يتعلم كيف يفهم الاختلاف، تبقى قصتها تذكيرًا بأن الإنسان لا يُختصر في تشخيص، وأن الكرامة تبدأ حين يُسمح له أن يكون كما هو… دون خوف.

 

رانية مرجية

كاتبة اعلامية  وموجهة مجموعات