
أدب الأطفال الرّقميّ إلى أين؟
أ. د. سناء الشعلان (بنت نعيمة)
الأردن
مع سيطرة الرّقميّات على العالم في شتّى تفاصيله، امتدّتْ هذه السّيطرة إلى عوالم أدب الطّفل، كما امتدّتْ إلى سائر تفاصيل حياته، مثل اللّعب والتّنقّل والتّعليم والعلاج الجسديّ والنّفسيّ والتّأهيل والتّدريب والتّنافس والإعلام، كما أنّها وصلتْ إلى أدب الأطفال الذي دخل ثورة جديدة في استخدام الرّقميّات بأشكالها كلّها في إنتاج أدب الطّفل، ابتداء من فكرة المادّة التّكنولوجيّة المقدّمة للطّفل، مروراً بكيفيّة تصميمهما وإخراجها وإنتاجها عبر الرّقميّات، انتهاء لطريقة عرضها وترويجها وبيعها وتفعيلها والتّعامل معها، وهي جميعها قائمة على الرّقميّات.
هذه الثّورة التّكتولوجيّة التي غزتْ عوالم الطّفل حتى في أدبه قد قادته إلى مستويّات جديدة من التّلقّي والتّفاعل والتّفاهم والتّواصل، ونقلتْ علاقته مع الأدب من علاقة المتلقّي مع الورق والكلمات والألوان أحياناً، إلى علاقة تفاعليّة تصل في كثير من الأوقات إلى الدّخول إلى البعد الثّالث في المرئيّات والدّخول في العوالم المحسوسة المرافقة لهذه العروض التّفاعليّة مثل اللّون والحركة والملمس، انتهاء بالقدرة على المشاركة في الفعل الدّراميّ والتّأثيريّ للعمل الإبداعيّ عبر تحوّل الطّفل من ملتقّي إلى مشارك في العمل الأدبيّ بفضل تقنيّات الرّقميّات التّفاعليّة، بل هو يتحوّل أحياناً إلى بطل في كثير من الأعمال الأدبيّة التّفاعليّة التي سيطرتْ عليه إلى حدّ الاستحواذ عليه، واستلاب فكره ووقته وأعصابه، واختراق أنظمته المعيشيّة والسّلوكيّة والنّفسيّة والانفعاليّة.
على الرّغم من هذه السّطوة للأدب الرّقميّ ما زال هناك الكثيرون ممّا يجهلون قيمة هذا الأدب، ولا يعرفون إلى أين يسير بالطّفولة، كما لا يدركون مدى تأثيره وتغلغله يوماً بعد يوم في أدب الطّفل ولعبه وتفكيره وانفعاله، وهو تأثير له آفاقه وإيجابياته وأخطاره.
الأدب الرّقميّ التّفاعليّ -وفق تعريف النّاقدة الإماراتيّة فاطمة البريكيّ التي درسته باستفاضة- هو مجموعة الإبداعات التي تولّدت مع توظيف الحاسوب والتّكنولوجيات الحديثة، وهو جنس أدبيّ جديد ظهر على السّاحة الأدبيّة، ليقدّم أدباً جديداً يجمع بين الأدبيّة والتّكنولوجيّة.
وتضيف فاطمة البريكيّ: إن من غير الممكن لهذا النّوع من الكتابة الأدبيّة أن يتأتّى لمتلقّيه إلا عبر الوسيط الإلكترونيّ، من خلال الشّاشة الزّرقاء المتّصلة بشبكة الانترنيت العالميّة، ويكتسب هذا النّوع من الكتابة الأدبيّة صفة التّفاعليّة بناء على المساحة التي يمنحها للمتلقّي التي يجب أن تعادل أو تزيد عن مساحة المبدع الأصليّ للنّص، ممّا يعني قدرة المتلقّي على التّفاعل مع النّصّ بكلّ حرّيّة وإبداعيّة؛ لأنّه يكون في مواجهة مباشرة مع النّصّ عن طريق الرّوابط التي تتيح للمتلقّي العديد من الخيارات في عمليّة التّلقّي أو الإبداع، فهو يبدع نصاً جديداً ومختلفاً، كلّما اختار رابطاً مختلفاً يتحكّم بمساراته القرائيّة؛ إذ لم يعد المتلقّي في إطار الأدب التّفاعليّ مجبراً على اتّخاذ بداية موحّدة بينه وبين مجموع المتلقّين الآخرين؛ لأنّ البدايات غير موحّدة، وكذلك النّهايات.
تتّصف نصوص الأدب التّفاعليّ بعدد من الصّفات التي تميّزها عن نظيرتها التّقليديّة كما توردها النّاقدة الإماراتية فاطمة البريكيّ:
1- إنّ الأدب التّفاعليّ يقدّم نصّاً مفتوحاً، نصّاً دون حدود، إذ يمكن أن ينشئ المبدع -أيّاً كان نوع إبداعه- نصّاً، ويلقي به في أحد المواقع على الشّبكة العنكبوتيّة، ويترك للقرّاء والمستخدمين حرّيّة إكمال النّصّ كما يشاؤون.
2- إنّ الأدب التّفاعليّ يمنح المتلقّي أو المستخدم فرصة الإحساس بأنّه مالك لكلّ ما يقدم على الشّبكة، أيّ أنّه يُعلي من شأن المتلقّي الذي أهمل لسنين طويلة من قبل النّقّاد والمهتمّين بالنّصّ الأدبيّ الذين اهتمّوا أولا بالمبدع، ثمّ بالنّصّ، والتفتوا مؤخّراً إلى المتلقّي.
3- لا يعترف الأدب التّفاعليّ بالمبدع الوحيد للنّص، وهذا يجعل المتلقّين والمستخدمين للنّص التّفاعليّ مشاركين فيه، ومالكين لحقّ الإضافة والتّعديل في النّصّ الأصليّ.
4- البدايات غير محدّدة في بعض نصوص الأدب التّفاعليّ؛ إذ يمكن للمتلقّي أن يختار نقطة البدء التي يرغب بأن يبدأ دخول عالم النّصّ من خلالها، ويكون هذا باختيار المبدع الذي ينشئ النّصّ أولاً، إذ يبني نصّه على أساس ألا تكون له بداية واحدة، والاختلاف في اختيار البدايات من متلقٍ لآخر يجب أن يؤدّي إلى اختلاف سيرورة الأحداث (في النّصّ الرّوائيّ، أو المسرحيّ، على سبيل المثال) من متلقٍ لآخر أيضاً، وكذلك فيما يمكن أن يصل إليه كلّ متلقٍ من نتائج.
5- النّهايات غير موحّدة في معظم نصوص الأدب التّفاعليّ، فتعدّد المسارات يعني تعدّد الخيارات المتاحة أمام المتلقّي/ المستخدم، وهذا يؤدي إلى أن يسير كلّ منهم في اتّجاه يختلف عن الاتّجاه الذي يسير فيه الآخر، ويترتّب على ذلك اختلاف المراحل التي سيمر بها كلّ منهم، ممّا يعني اختلاف النّهايات، أو على الأقلّ، اختلاف الظّروف المؤدّية إلى تلك النّهايات، وإن تشابهتْ، أو توحدتْ.
6- يتيح الأدب التّفاعليّ للمتلقّين/ المستخدمين فرصة الحوار الحي والمباشر، وذلك من خلال المواقع ذاتها التي تقدم النّصّ التّفاعليّ، رواية كان، أم قصيدة، أم مسرحية؛ إذ بإمكان هؤلاء المتلقّين/ المستخدمين أن يتناقشوا حول النّصّ، وحول التّطوّرات التي حدثت في قراءة كلّ منهم له، وهي تختلف غالباً عن قراءة الآخرين لها.
7- إنّ المزايا جميعها تتضافر لتتيح هذه الميزة، وهي أنّ درجة التّفاعليّة في الأدب التّفاعليّ، تزيد كثيراً عنها في الأدب التّقليديّ المقدّم على الوسيط الورقيّ.
8- في الأدب التّفاعليّ تتعدّد صور التّفاعل، بسبب تعدّد الصّور التي يقدّم بها النّصّ الأدبيّ نفسه إلى المتلقّي/ المستخدم.
أمّا النّاقد المغربيّ سعيد يقطين فيعرّف الأدب التّفاعليّ على أنّه مجموع الإبداعات والأدب من أبرزها التي تولّدت مع توظيف الحاسوب، ولم تكن موجودة قبل ذلك، أو تطوّرت من أشكال قديمة، لكنّها اتّخذت مع الحاسوب صوراً جديدة في الإنتاج والتّلقّي.
النّاقدة المغربيّة زهور كرام التي اختارت تسميته بالأدب الرّقميّ ترى أنّ التّعبير الرّقميّ عن تطور النّصّ الأدبيّ الذي يشهد شكّلاّ جديداً من التّجلّي الرّمزيّ باعتماد تقنيّات التّكنولوجيا الحديثة والوسائط الإلكترونيّة، فالأدب الرّقميّ أو المترابط أو التّفاعليّ يتمّ في علاقة وظيفيّة مع التّكنولوجيا الحديثة، ويقترح رؤى جديدة في إدراك العالم، كما أنّه يعبّر عن حالة انتقاليّة لمعنى الوجود ومنطق التّفكير.
ما يفهم من مصطلح الأدب التّفاعليّ –وفق ما تقول زهور كرّام- هو أنّه الأدب الذي يقوم على تقنيّة النّصّ المترابط، وأنّه كتابة وقراءة معلوماتيّة غير خطيّة للنّص الأدبيّ الذي يدخل عصراً جديداً بإيقاع تكنولوجيّ رقميّ وبأدوات إبداعيّة تواكب مجريات العصر (الحاسوب المتّصل بشبكة الانترنت) والإفادة من عناصر (الميلتميديا) التي لم تعد فيه الكلمة سوى جزء من عناصر متعدّدة، كالصّوت والصّورة والموسيقى والألوان، ويفتح هذا النّمط من الكتابة الرّقميّة فضاء واسعاً من التّداخل والتّفاعل بين الكتاب والقرّاء المتلقّين الذين يتحوّلون بدورهم إلى مبدعين في النّصّ التّفاعليّ الذي لا يعترف بالمبدع الوحيد للنّص، ويفتح المجال واسعاً أمام المتلقّي ليشارك في العمليّة الإبداعيّة، ويسهم عبر قراءته التّفاعليّة الرّقميّة في خلق نصوص جديدة ولا نهائيّة.
يقدم الأدب التّفاعليّ –وفق ما يقول محمد إسليم- معايير جماليّة جديدة وخصائص لم تكن متاحة من قبل في النّصّ الورقي، مثل: خاصّية تعدّد المبدع والتّأليف الجماعيّ للنّص الرّقميّ وتعدّد الرّوابط التي تؤدّي بدورها إلى تعدّد النّصّوص حسب اختيارات المتلقّين، بعكس الأدب الورقيّ الذي تكون البداية موحّدة والنّهايات محدودة، إضافة إلى صعوبة الحصول على الكتاب الورقيّ مقارنة بنظيره الرّقميّ الذي يسهل حمله وتحميله من خلال الحاسوب؛ لذلك فمن الطّبيعيّ أن يعرف هذا الأدب في المستقبل القريب انتشاراً واسعاً ورواجاً كبيراً في الأوساط الأدبيّة ليحلّ محلّ الأدب الورقيّ المطبوع، سواء أكان هذا الإحلال كليّاً أم جزئيّاً، فإنّ هناك عمليّة إحلال متسارعة تتّسع، وتستحكم باستحكام التّكنولوجيا ومدى توظيفها في الحياة اليوميّة، وهذا لا يعني أن الصّيغ التّقليديّة للإبداع الورقيّ مهدّدة بالزّوال، وإنّما هي قادرة على الصّمود والاستمرار من خلال تعايش الإبداعين معاً.
لي أن أقول، أيّاً كانت الآراء والمواقف من هذا الأدب إلاّ أنّه أدب يحكم على نفسه بالموات والاندثار بمجرّد انقطاع الكهرباء، وتعطّل الحواسيب عن العمل، إنّه جنس أدبيّ خُلق لأجل التّكنولوجيا فقط، وينام بنومها، ويموت بموتها، وهذا أمر لا ينسحب على الفنون الإبداعيّة الأخرى التي عاشت آلاف السّنين على الرّغم من تبدّل الأزمان وتغيّرها.
لكن خطورته وأهمّيته تنبع من قدرته الكبيرة على الاستحواذ على الطّفل، وتشكيل هويّة ثقافيّة وفكريّة ونفسيّة وانفعاليّة جديدة له قائمة على أهداف من يقوم بإنتاجه، أيّاً كانت أهدافه ومراميه، وهناك تكمن الخطورة الكبرى التي يجب أن ينتبه المربّون وأولياء الأمور وصانعو القرار إليها، وأن يأخذوا هذا الأمر كلّه في الحسبان الدّقيق بعيداً عن أيّ تأجيل أو تسويف أو لا مبالاة.
