للذهاب الى صفحة الكاتب   

قصيدة/ حَـنِـيـن

صالح مهدي محمد

 

(1)

لَيْسَ الحَنِينُ مُجَرَّدَ اِلْتِفَاتَةِ رُوحٍ إِلَى المَاضِي،

إِنَّهُ "عُطْلٌ مِيكَانِيكِيٌّ" فِي عَقِارِبِ السَّاعَة،

يَجْعَلُ التَّكَّةَ الوَاحِدَةَ

تَزِنُ قَبِيلَةً مِنَ الشُّهَدَاءِ الغَائِبِين.

هُوَ أَنْ تَجْلِسَ فِي مَقْعَدِكَ الآمِن،

بَيْنَمَا قَلْبُكَ..

يَرْكُضُ حَافِيًا خَلْفَ قِطَارٍ مَضَى قَبْلَ عِشْرِينَ عَامًا.

 

(2)

الحَنِينُ هُوَ الصَّدَأُ الأَنْيَقُ لِلذَّاكِرَة؛

يَأْكُلُ حَوَافَّ الحَاضِرِ الصَّلْبَة،

لِيُحَوِّلَ يَوْمَكَ العَادِيَّ

إِلَى "مَخْزَنِ خُرْدَوَاتٍ" مَلِيءٍ بِأَشْيَاءَ لا تَلْزَم:

بَقَايَا ضِحْكَةٍ عَلَى شُرْفَة،

رَائِحَةِ خُبْزٍ فِي شَارِعٍ مَهْدُوم،

وَمِعْطَفٍ لَمْ يَعُدْ يَسَعُ الرَّاحِلِين،

لَكِنَّهُ لا يَزَالُ..

يَحْتَفِظُ بـ "انْحِنَاءَةِ أَكْتَافِهِم".

 

(3)

أَنَا لا أَحِنُّ إِلَى أَشْخَاص،

أَنَا أَحِنُّ إِلَى "نَفْسِي" الَّتِي تَرَكْتُهَا مَعَهُم،

إِلَى ذَاكَ الطِّينِ البِكْرِ قَبْلَ أَنْ تَصْقُلَهُ الفَجِيعَة.

الحَنِينُ هُوَ أَنْ تَصِيرَ النَّافِذَةُ أَقْرَبَ إِلَيْكَ مِنَ السَّرِير،

وَأَنْ يُصْبِحَ الشَّاهِي المُرُّ..

مَذَاقاً وَحِيداً مَقْبُولاً لِلْكَلَام،

حَيْثُ كُلُّ جُمْلَةٍ تَبْدَأُ بِـ "لَيْتَ"،

تَنْتَهِي بِـ "ثُقْبٍ" فِي صَدْرِ الوَرَقَة.

 

(4)

يَا حَارِسَ المَقَابِرِ المَنْسِيَّةِ فِي صُدُورِنَا،

أَيُّهَا الحَنِين؛

خَفِّفْ وَطْأَةَ مَطَارِقِكَ فِي اللَّيْل.

أَجْسَادُنَا هَشَّة،

وَعِظَامُنَا لَمْ تَعُدْ تَتَحَمَّلُ هَذَا العَزْفَ الصَّاخِبَ

عَلَى أَوْتَارِ الغِيَاب.

دَعْنَا نَنَمْ..

دُونَ أَنْ نَزُورَ المَدَائِنَ الَّتِي ضَاعَتْ خَرَائِطُهَا،

وَدُونَ أَنْ نَخْتَنِقَ..

بـِرَائِحَةِ المَطَرِ.. الَّذِي يَسْقُطُ الخَفِيفَ..

عَلَى تُرَابٍ.. لَمْ يَعُدْ لَنَا.