سقوطٌ مُدوٍّ- قصّة قصيرة

عامر عودة

 

 

كان هو وصديقه راضي في طريقهما لحضور فرح أحدِ الأصدقاء، عندما صدمت إحدى السّيّارات سيّارتهما. أوقفَ عمّار سيّارته بجانبِ الطّريق، مندهشًا من سرعةِ السّائق وعدمِ انتباهه. أما السّائقُ المُخالِف والشابُ الّذي كان برفقته_ وهما في مطلعِ العشرينات منَ العمر_ فقد نزلا منَ السّيّارة يرمقان عمّار بنظرات غضب! ثمّ أخذا يتفحَّصان سيّارتهما. بينما أَخرجَ عمّار رأسه منَ النّافذة، سائلًا إيّاهما عن وضعهما الجسديِّ والنّفسي، متمنّيًا ألّا يكونا قد أصيبا بأذى.

 

بعد دقائق، طلب عمّار منَ السّائق وثيقة تأمينِ السّيّارة، ليتسنّى له إصلاح الأضرارِ النّاتجة عنِ الحادث. أمّا راضي، فقد وقف متّكئًا على جناحِ السّيّارة، نافثًا دُخّان سيجارته، وكأنَّ الأمر لا يعنيه! وبعد أن حصل عمّار على التّفاصيل المطلوبة، عاين سيّارته وقرّر إكمال طريقه؛ لأنَّ الضّربة، كما رآها، لا تُشكّل خطرًا على الشّارع أو عائقًا أمام إتمام مُهمّتهما.

 

الاحتفال الذّاهبان إليه هو لأحد عُمّالِ المصنع الّذي يعملان فيه. وقد طلب راضي من عمّار أن يمرَّ به في بيته ليصحبه معه، لأنَّه لا يُفَضِّل القيادة ليلًا، خاصة بعد شربه كأسين أو ثلاثة منَ الكحول. ومع أنَّ بيت راضي يبعد عن بيت عمّار قرابة نصف ساعة، إلّا أنَّ الأخير لا يرفض لراضي طلبًا، فهو يعتبره صديقًا مقرّبًا، ورفيق درب.

 

راضي رجل في العقدِ السّادس من عمره. كثيرُ الكلام، مدّاح لنفسه، يكثر منَ الحديث عن مآثره ومواقفهِ الرّجولية والوطنيّة، فيرسم هالة نقيّة منَ النّبالة وكَرَمِ الأخلاق حوله. ومع أنَّ بعضَ الأشخاص لا يُصَدٍّقون أحاديثه ولا يُطيقونها، لكن لا يجرؤ أحد منهم على الدّخول معه في نقاش، لأنَّه ذربُ اللّسان، فيختصرون معه الكلام.

 

.."الرّجال مواقف"... عبارة كان راضي يُرَدِّدُها عند سماعه عن موقف أُعجِب به؛ فينفخ صدره، وينفث دخّان سيجارته قائلًا: "هكذا يكونُ الرّجال". وإذا لم يعجبه، يعقد حاحبيه قائلًا: "إخص على هيك رجال".

 

عمّار كان منبهرًا به؛ بأحاديثهِ الرّجولية، وبآرائهِ الوطنيّة، ويُصَدِّق كلّ ما يقوله. ففتح له نوافذَ قلبه، وحاولَ التّقرب منه قدرَ المستطاع. والويل الويل لمن يذكره بسوء، إذ يدافع عنه كمَن يدافع عن واحد من أهلِ بيته، خاصّة أنهما ينتميان إلى حزب سياسيٍّ واحد.

 

في صباحِ اليومِ التّالي، حدَّث راضي العمال عن حادثة أمس. وأنهى حديثه قائلا: "لولا وجودي مع عمّار لما اعترف السّائقُ الّذي صدمَ السّيّارة أنّه المذنب"! ثم أخذ نَفَسًا عميقًا من سيجارته نافشًا ريشه كالدّيك مستطردًا: "لقد حميته من شباب صُيَّعٍ خارجين عنِ القانون"! أما عمّار فقد التزمَ الصمت محاولًا أن يُقنع نفسه بأنَّ ما يسمعه هو الحقيقة.

 

لم تمض أيام، حتّى ادعى السّائقُ الّذي صدمَ السّيّارة، بكلِّ وقاحة، أنَّ عمّار هوَ المذنب، ويريد منه أن يعترف بذلك، ليتسنّى له إصلاح سيّارته على حسابه! وعندما أَبلَغَ راضيًا عن وقاحةِ السّائق، وأوضح له أنّه ربّما سيكون مضطرّا للتّوجّه إلى المحكمة، وسيكون هو شاهدًا على ما جرى، تغيَّرت ملامحُ وجهه، ثمّ نظر حوله... ولمّا تأكَّد أنَّ أحدًا لا يسمعهما، قال بفجاجة: "لن أذهب إلى المحكمة... كنت نائمًا... لم أرَ شيئًا!" وأردف بعصبيّة ماسكًا كتف عمّار بقوّة: "أسمعت ما قلته لك؟!". فردَّ عليه عمّار بدهشة واستياء بعد أن أنزل يده عن كتفه: "لا أريد شهادتك." ثمَّ تركه ومضى.

 

لم يستوعب عمّار موقف راضي الغريب، وجلس إلى نفسه يحاسبها... فكثير من المرّات تغاضى عن أخطائه، وابتلعها بصمت، ووطَّن نفسه على تَقَبُّلها للحفاظ على صداقتهما. وإذا صدف وحدث بينهما سوء تفاهم، كان يُلبس نفسه ثوبَ الخطأ دائمًا، معتذرًا أو متنازلًا. واستهجن من نفسه، كيف كان يُصَدِّق أحاديثه عن وطنيَّته وإخلاصه لمبادئه، فربّما كان بعكس ذلك تمامًا!

 

في اليومِ التّالي سأله أحدُ العمّال مستغربًا: "هل صحيح أنّك شتمت راضي يوم أمس؟!"... في هذهِ اللّحظة، مرَّ راضي من أمامه، مشيحًا بوجهه، دون أن يطرح عليه تحيَّةَ الصّباح لأوَّلِ مرّة منذ أن تعارفا، هادمًا بذلك جدارَ نبالته ورجولته ووطنيَّته الّتي كان يحيط بها نفسه كلَّ الوقت!