
سمات مضيئة في المجموعة القصصية (النخلة العمة وأبناؤها الاشقياء)
للأديبة سعاد الراعي
جمعة عبدالله
تمتلك الاديبة قدرة ممتمكنة, في صياغية في اسلوبية السرد, وتقديم الحدث المرهف في حرارته ومنهجيته الديناميكية المتصاعدة التي تشد القارئ في لهفة مؤثرة في متابعة الحدث, هذه الصياغة تمثل ابتكار نوعي في فن القصة المعاصرة وتربطه في وشائج عميقة ودالة في الرؤية الفكرية التي تخص مديات مجريات الأمور من الواقع الفعلي, هذه الواقعية في تكوين الحدث, يستند الى التجربة والخبرة والمعايشة الحميمة, لذا فأن الحدث السردي يملك احساساً فياضاً من الشخوص البارزة في الحدث هي ظلت حية في الذاكرة والذكريات والقلب, وتملك شعور إنساني بسيط, وبريء, في تناول عالم الطفولة ومفهوم هذا العالم النابض بالحركة والنشاط بأنه عالم خاص ومتنوع يرتكز في مؤثراته على الموروثات الشعبية والاجتماعية, عالم الطفولة يتميز بسمات خاصة تمتد من فعل البراءة والمشاكسة والشقاوة بين المرح والحزن والوجع, بين الرفض والتمرد والمغامرة, والانتشاء في امتلاك شيء, حتى لو كان بسيطاً, مثل حصول على حفنات من التمر أو طلع النخيل, عالم يتمثل بالذكاء والفطنة, اضافة ان الحدث السردي يتناول عالم الطفولة في أماكن متنوعة في الفرق الاجتماعي الشاسع في العادات والتقاليد في بيئتها المحلية, سواء كانت في الريف او المدينة, سواء كانت في بيئات مختلفة من العراق (البصرة) الى اليمن, وفلسطين (غزة المنكوبة والمدمرة واطفالها يذقون طعم حنظل الطفولة, وهم منسيون من السماء والارض), أو في الجانب الغربي. بلغاريا وألمانيا, اي تنوع البيئة الاجتماعية في الجانب الشرقي (اليمن) الانغلاق الاجتماعي والتأثيرات الدينية السلفية, الذي يجعل البيئة محددة بالأعراف الدينية الصارمة ومن يتجاوزها يجد العدوانية وعدم القبول والنفور في وجهه أو الاستفزاز, هناك حواجز قائمة في الاختلاط والعلاقة الاجتماعية بينما نجد المجتمع الغربي (بلغاريا) الدعم والرعاية والانفتاح في العلاقات الاجتماعية, على ضفاف البيئة الجميلة, في كل الأحوال يدل عالم الطفولة على امتلاك مشاعر حساسة ونابضة في صراعها مع الحياة العامة ولا تقبل بالهزيمة رغم الالم والوجع والحزن, لذا فأن سلاحها في الأوقات العصيبة هي الرفض والتمرد والمغامرة, أن تناول عالم الطفولة في النصوص القصصية التي تحتوي على عشرة نصوص قصصية في المجموعة, تشير ان عالم الطفولة عالم نابض بالنشاط والحركة والفعل....... ولابد ان نشير الى العنوان المجموعة (النخلة العمة), والنخلة هي الملاذ الآمن والمأوى والوطن, ورمزيتها الايحائية متعددة العناوين, فهي تمثل الطيبة والرعاية والحماية, وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم, في قصة السيدة العذراء, التي انجبت عند جذعها السيد المسيح, أما في الحضارات العراقية القديمة, فهي تمثل الهوية والاصالة والشموخ والعطاء. لذا يتنوع الحدث السردي في الايحاءات الرمزية الدالة لعالم الطفولة, في مقدمتها العنف الاسري وسلطة الأب العليا في المجتمع الأبوي, بينما نرى سلطة الأم نجد فيها الحنان والحب والرأفة والفهم والادراك, الفقر والحرمان علامة بارزة وخاصة في طفولة الفئات الكادحة, وكذلك الطفولة في زمن الحرب والابادة, كما هو الحال إلى أطفال فلسطين (غزة المنكوبة والمدمرة), وكذلك يشير الحث السردي الى الاهتمام بعالم الطفولة رجال الغد أو المستقبل. إن المجموعة القصصية تصب اهتمامها الجدي لعالم الطفولة, يمثل هذا العالم المميز مثل ورقة بيضاء والبيئة والمجتمع والاسرة, يكتبون حروفهم فيها, سواء ايجابية أو سلبية, هذه الرؤية الفكرية في ثنايا النصوص القصصية, ولابد من الاشارة الى التقديم الرائع في الاحاطة النقدية بتحليل الشاعر طارق الحلفي في اشارته في اللمسات الانسانية لهذا العالم الندي والطري, حتى في شقاوته ومشاكساته ومغامراته تدخل ضمن إطار البساطة البريئة. ... والجدير بالذكر أن أشير الى بعض النصوص في المجموعة القصصية.
1 - قصة ؛ سهام الفتى عادل السليطة:
عادل ذو اثني عشرة عاماً, يملك الذكاء والفطنة والمغامرة والشقاوة ويتباهى في مغامراته بين أفراد العائلة, ومغرم بصنع العابه, الطائرات الورقية, وصنع الأقواس والسهام للصيد العصافير, ويفتخر عند حلول المغرب يعود الى بيته محملاً بغنائمه من العصافير, وكان يحظى بالرعاية والحب من ابيه, وفي احدى المرات السيئة كان يطارد العصافير بسهامه, ولكن هذه المرة اخطأ السهم هدفه, فقد وقع السهم في جسد البقرة, واستشاطت البقرة بالجنون من ضربة السهم والدماء تنزف منها, فرجع الى بيته يلوكه الحزن والاحباط, في انتظار العقاب الصارم من أبيه, فصارح أمه بالخطأ الفادح الذي ارتكبه, بدلاً من السهم يصيب العصافير, وقع دون عمد على البقرة, وسمعت جدته الحكاية, وطلبت منه الكف عن هذه اللعبة العنيفة بالسهام, مقابل التدخل عند أبيه أن يعفو عنه, بالذهاب الى البستاني بالاعتذار ودفع التعويض المالي.
2 - قصة : هي أمي وإن قست:
سحر ذات الاعوام عشرة ربيعاً, منشغلة طوال النهار في ادارة البيت ترتبه وترتيبه, وهو يضم خمس عوائل, في جهدها اليومي المرهق والمتعب, حتى تقع على فراش النوم جثة هامدة من التعب والارهاق, وطبيعي هذا الجهد اليومي ينعكس سلباً على اجتهادها في الدروس والمدرسة, وظهرت نتيجة الامتحانات راسبة في درس الرياضيات, حزنت بشدة وسكبت دموعها, وشعرت بقلق وخوف كيف تواجه امها بالنتيجة السلبية, فاخذت تلف الطرق حتى أنهكها التعب, في جثمت على عتبة بيت غريب لتستريح من الارهاق والقلق والبكاء, ولكن اخيراً رجعت الى بيتها تحمل حزنها, وهي تقول: يارب. احميني .... وخفف عن أمي.. وخفف عني. واخيراً قررت ان ترجع الى البيت ومهما تكون النتيجة فهي امها الرحيمة.
3 - قصة: هديا من عتمة الركام: الى اطفال غزة.
الحياة في غزة تعيش تحت الركام المحطمة بالحرب المدمرة, وسط الأنقاض ينهشها الموت والخراب, فلا طفولة بل حياة منهكة بالانتهاك الوحشي من آلة الحرب, الاطفال يعيشون في الخيام دون رعاية ودعم, والأطفال يفتشون تحت البيوت المهدمة عن بقايا ذكرى, تعيدهم الى زمن كانت بيوتهم عامرة وحياة مستقرة تحول كل شيء الى خراب, طفلة صغيرة (هبة) تفتش عن ركام بيتها الذي تحول الى حطام وانقاض, تفتش عن شيء ثمين تقدمه الى امها صبيحة العيد, لذلك تفتش تحت الحجر عن بقايا من بيتها المحطم, الذي قصفته الصواريخ الهمجية, وخطف الموت أبيها وشقيقها, وهي تفتش في الركام وجدت على قطعة من الحجر, دماء ابيها واخيها معاً, حفظته, وكذلك وجدت ابزيم من حزام ابيها الجلدي, هذا ما تقدمه الى امها صبيحة العيد, هذه المأساة والنكبة تعجز الكلمات أن تصفها , هذه حياة الطفولة في غزة المنكوبة بالخراب والدمار.
4 - قصة: لظى في الخاصرة: الى ولدي مسار/ الطفولة في بيئتين.
مسار الابن البكر في ربيعه العاشر. عاش سنواته في بلغاريا, في مجتمع مناصر للطفولة في الرعاية والدعم, والعلاقات الاجتماعية, يملئها الثقافة والتعليم والدعم الاجتماعي للأطفال, مسارح. ملاعب, دورات تربوية وثقافية, فتعلم البلغارية والروسية بطلاقة, يساعده انه نشأ في بيت مثقف وعلمي, على ربوع الطبيعة الجميلة. قررت العائلة الرحيل الى اليمن, وهناك الصبي (مسار) اصطدم بمجتمع مختلف تماماً لم يألفه, مجتمع منغلق تؤثر فيه العادات والتقاليد الصارمة, مجتمع ديني منغلقاً تماما, شعر بالإحباط والعزلة, وخاصة زملائه التلاميذ يشعرون بأنه جسم غريب عنهم, غير مألوف, لذلك ينظرون إليه بنظرات زجرة عدائية في الاستفزاز, كأنهم يشكون بأنه مخلوق بشري ( - هل انتم مسلمون؟ .... لماذا لا ترتدي أمك الحجاب؟ . لماذا لايذهب والدك الى الجامع؟ وزاد الطين بلة, بأنه لم يحضر الدروس الدينية, هل انتم كفار؟ لان في أوربا درس الدين اختياري ولا يدخل ضمن الدرجات النجاح والرسوب, لان لم يدخل في التقييم الدرجات, درس اختياري محض. لذا عانى (مسار) المعاملة غير الانسانية من التلاميذ والمربين, ووقف ابيه الى جانبه في مواجهة مدير المدرسة (من حق ابني الدفاع عن نفسه ورأيه, أنني افتخر به وأثق بسلوكه, عليكم أن تتعاملوا معه باعتباركم تربويين, لا بأساليب استفزازية كهذه). وبعد الحرب الأهلية اصبحت الحياة لا تطاق بل جحيم (اليمن من دخلها مفقود, ومن خرج منها مولود) لذا قررت العائلة الرحيل من اليمن.
5 - قصة ( النخلة العمة وأبناؤها الاشقياء.
هذه القصة تحمل عنوان المجموعة, غزيرة بالايحاءات الرمزية الدالة في المعنى والمغزى البليغ, مزية الحدث ورمزية النخلة في بعدها الحضاري والديني والشعبي. المكان في بصرة النخيل أو أم النخيل. بستان النخيل مرتع اللعب والمغامرة والشطارة, تبرز الشقاوات والذكاء للصبية, في الصعود وقطف الطلع أو التمر, تتوزع مجمعات الصبية, بين الحراسة من مداهمة البستاني, ومجموعة الحماية ومجموعة استلام الطلع الساقط أو حفنات التمر, برز من مجموعات الصبية (طلال) 12 عاماً يقود مجموعة الشقاوات والمغامرات والصعود الى النخيل, والصبية يعودن الى بيوتهم محملين بالطلع أو التمر, وهم فرحين, في احد الايام عند صعوده, يتفاجئ بوجود بحارس البستان, يمسكه بتهمة سرقة الطلع أو التمر, ليصب غضبه بالتهديد (انزل ايها اللص الصغير.. أو أصعد إليك) ولكنه يرفض النزول. بل يسمع همسات النخلة لتقول له (- لا تخف يا بني ابق بجانبي, سأحميك, رغم أنك استعجلت قطف ما كان يمكن اقدمه لك, حين يحين أوانه, ايها الشقي الصغير), لذلك تلقى جرعة دعم وشجاعة وحماية, رفض النزول, وغير البستاني لهجته باسلوب العطف والرأفة, لكن لم يستجب إليه, بل هدده بالسقوط من النخلة, وهو يتحمل المسؤولية, إذا لم يذهب الى بيته, واصر على تنفيذ تهديده, فاضطر البستاني أن يغادر المكان, وبعدها نزل من النخلة بنشوة النصر. , هكذا رمزية النخلة عمتنا الطيبة والباذخة في العطاء, رمز الحماية والرعاية والدعم, ألم تنجب السيدة العذراء, السيد المسيح بجانب جذع النخلة, لذا النخلة تمثل في رمزيتها. الطيبة والشموخ والعطاء.
جمعة عبدالله
