
منارة الأحرار
صالح مهدي محمد
تتشابك في هياكل الوجد غياهب الرؤى، حيث ينبثق الصمت كترتيلة عميقة تمتاح من معين الأزل، هناك عند الحافة القصية للمدى حيث تتآكل الأزمنة وتنصهر الأبعاد، تنتصب منارة الأحرار شامخة في مجهول الكون كأنها نبض متمرد نُحت من صخر الكبرياء العتيق، لا تلمسها عيون العابرين السطحيين بل تتجلى لأولئك الذين عمدوا أرواحهم ببكاء الشمس واحتراق النجم في كؤوس الوجع المقدّس. إنها ليست حجارة مرصوفة تهدي السفن التائهة في لجج البحار المادية، بل هي معراج سرّي لأنفس رفضت أن تساق في قطعان السديم الرتيب، ترتفع كأقنوم غامض يتسلق جدار الليل الأبدي ليقتطف جذوة الانعتاق من بين أنياب العدم، فتبدو للمتأمل المبهوت كشبح نوراني يتموج بين الظهور والخفاء، يتغذى على أنفاس الغرباء الذين نسجوا من جراحهم أشرعة للريح الهوجاء ولم ينحنوا لعواصف المذلّة.
تتداخل السطور في سفرها الأزلي فتصبح الكلمات متاهات صوفية يموت على أعتابها الحرف المبتذل، إذ كيف للغة القاصرة أن تفك طلاسم نور ينبع من عمق الظلمة، وكيف للمجاز أن يحتوي معنًى يتمدد كلما حاولت قيود العبارة أن تأسره في حدود النص. إن المنارة تتكلم بلغة البروق الخاطفة التي لا يفقهها إلا مَن نزع عن وجهه قناع الطين وارتدى طيلسان الوجد المَحض، حيث الصمت هنالك هو الذروة الشعرية التي تتجسد فيها الحرية بأبهى تجلياتها السرمدية، فتنشال الرؤى كشلالات من مسك وعنبر تطهر أوضار الوجود المثقل بالأغلال الخفية، وتغدو الذات السالكة في هذا الدرب الوعر قصيدة لا تنتهي وقافية تتمرد على البحور والأوزان لتخلق بحرها الخاصّ الذي لا ساحل له ولا قاع.
وإذا ما حلّ غسق الروع وتلاطمت أمواج المأساة البشرية، تظل تلك الصومعة الشاهقة في كبد الغيب شاهدًا صامتًا يحمل وزر الأسرار الكبرى، تنفث من قمتها المرمّدة برماد الأنبياء نشيدًا خفيًّا يسري في عروق الأرض كالمطر السحري الذي يوقظ الصخر الميت، فتهتز الروابي المهجورة بنبضات الانتفاض القدسي الذي لا يعرف المساومة ولا يلجأ إلى كهوف الاستكانة. إنها الهوية المفقودة التي نبحث عنها في مرايا المحو، والوطن السماوي الذي يمتد خارج حدود الخرائط المزيفة، فمَن يملك الجسارة ليحرق سفنه العقلية ويلقي بنفسه في أتون هذا الرهيب الجميل، سيجد أن منارة الأحرار لم تكن يومًا خارجه، بل كانت هي لُبّ كيانه المخبوء وراء ستار الوهم، تنتظر لحظة الانعتاق الكبرى لتعلن نهاية عصر العبودية وبدء زمن الألق المَحض الذي لا يغيب.
