
وجهة نظر
أسئلة الشعر: مقالات في الفهم والتأويل
(24) صياغة الوجود بالكلمات: كيف أعادت المرأة تمثيل عواطفها شعراً؟
صالح مهدي محمد
منذ أن جرى العرف على تسمية الشعر بديوان العرب، والقصيدة تتخذ من المرأة غرضاً وموضوعاً، تُشيد لجمالها الصروح، وتُبكى على أطلالها الديار، ويُتغزل بها كأيقونة ملهمة أو كائن مجرد من الإرادة الفاعلة، يتربع على عرش المتخيّل الذكوري الذي صاغ لقرون طويلة مجازات العشق، وأطر العاطفة، وحدود الجسد وفق رؤية أحادية الجانب. لكن هذه الصورة الاستكانية لم تدم طويلاً في فضاء الحداثة الأدبية؛ إذ شهدت الساحة الشعرية تحولاً راديكالياً حين قررت المرأة أن تنتقل من حالة الموصوف، إلى حالة الواصف، ممسكة بزمام القلم لتكتب ذاتها بذاتها، وتعيد تشكيل وعي العالم بوجودها الإنساني. إن ولوج المرأة إلى عالم الكتابة الشعرية من منظور نسوي لم يكن مجرد إضافة كمية لعدد القصائد المنشورة، بل كان زلزالاً معرفياً وفنياً فكك البنية التقليدية للنص الأدبي، وأطاح بالمنظومة الرمزية التي احتكرت لغة العاطفة ومفاهيم الجسد لفترات مديدة.
حين بدأت المرأة تكتب، واجهت في المقام الأول لغة جاهزة، لغة محملة بإرث ذكوري سلطوي يرى في حضور الأنثى مجرد صدى للرجل، أو لغزاً غامضاً يثير الريبة، ومن هنا انطلقت المغامرة النسوية في الشعر لإعادة اختراع اللغة نفسها، وتطهيرها من الأحكام المسبقة، وتحويلها إلى أداة للتعبير الحر الذي لا يخشى المكاشفة.
ويتجلى هذا التحول بوضوح في كيفية إعادة كتابة الجسد شعراً، فالجسد في القصيدة النسوية المعاصرة لم يعد ذلك الكيان الجمالي الساكن الذي يمدحه الرجل في معلقته، بل غدا وطناً للوعي، ومساحة للمقاومة، وجغرافيا حية تنبض بالألم، واللذة، والأمومة، والنزف، والتغيرات البيولوجية التي ظلت طويلاً من المحرمات المسكوت عنها في الشعر العربي والعالمي. فالشاعرة النسوية تجرأت على كسر جدار الصمت حول تفاصيل الجسد الحميمية، لا من باب الابتذال أو الإثارة، بل من باب استرداد الملكية المصادرة، حيث يُطرح الجسد بوصفه امتداداً للروح وللهوية الإنسانية الكاملة، فتكتب عن الأمومة ليس كواجب غريزي مقدس ومثالي فقط، بل كمخاض جسدي ونفسي معقد يمتزج فيه الحب بالخوف من الفناء، وتكتب عن الرغبة كحق أصيل في التعبير والوجود، وعن الشيخوخة والتعب كعلامات نضج وكرامة ينبغي الاحتفاء بها. هذا الانتقال من الجسد-الموضوع إلى الجسد-الذات أتاح للشاعرات خلق جماليات جديدة كلياً، تقوم على الصدق الصادم والشفافية المطلقة، مما أربك الذائقة النقدية التقليدية التي اعتادت على مواربة المعاني واستخدام الاستعارات المحتشمة حين يتعلق الأمر بالأنثى.
ولم تتوقف هذه الثورة الشعرية عند حدود الجسد المادي، بل امتدت لتشمل جغرافيا العاطفة الإنسانية برمتها، حيث أعادت المرأة صياغة مفهوم الحب، والشوق، والفقد، والخذلان بعيداً عن القوالب النمطية الجاهزة للضعف أو التبعية المطلقة للمحبوب.
في القصيدة النسوية، لا نجد تلك العاشقة التي تموت كمداً في انتظار التفاتة من السيد، بل نجد امرأة تحب بكبرياء، وتعاتب بقوة، وتعلن انكسارها دون أن تفقد سيادتها على نفسها، وتملك الشجاعة الكافية لإعلان نهاية الحب إذا ما تحول إلى قيد يكبل حريتها. إن عاطفة المرأة في الشعر الحديث أصبحت عاطفة مركبة، تمزج بين الشغف العارم والوعي النقدي بالواقع، فلا يفصلها الحب عن قضايا مجتمعها أو عن سعيها نحو الاستقلال والتحرر. وبذلك تحول الشعر إلى فضاء رحب لتعرية العلاقات الإنسانية القائمة على الهيمنة، وتفكيك بنى السلطة داخل مؤسسة الحب نفسها، لتصبح القصيدة بياناً تحررياً يعيد صياغة العلاقة بين الرجل والمرأة على أسس من التكافؤ والاعتراف المتبادل.
ومن خلال هذا الهدم والبناء، استطاعت الشاعرة النسوية أن تؤسس لخطاب شعري متميز في فرادته، خطاب لا يستعير معجم الرجل ليثبت جدارته الفنية، بل ينبع من تجربة معاشة حقيقية، تجربة تجمع بين الخصوصية البيولوجية والنفسية للمرأة، وبين الهم الإنساني العام والمشترك.
هذا التداخل الخلاق بين الذاتي والعام جعل من قصيدة المرأة قوة دافعة للتغيير الاجتماعي والثقافي، إذ لم تعد القصيدة مجرد ترف جمالي، بل أصبحت وسيلة لهز القناعات الراسخة ومساءلة المسلمات الاجتماعية التي حصرت المرأة في أدوار نمطية ضيقة.
إن تاريخ الشعر المعاصر يدين بثرائه وتنوعه وهدمه للرتابة إلى تلك الأصوات النسائية الشجاعة التي اقتحمت مجاهل القول، ورفضت الوصاية الثقافية، ونحتت من أوجاعها ومسراتها الخاصة لغة شعرية قادرة على ملامسة المطلق الإنساني، لتثبت في نهاية المطاف أن إعادة كتابة الجسد والعاطفة بقلم الأنثى لم يكن مجرد خيار أسلوبي، بل كان ضرورة وجودية لاستكمال ملامح الوجه الإنساني في مرآة الشعر، وضمان ألا يظل نصف العالم صامتاً أو متحدثاً عنه بلسان الآخر.
