
قصة قصيرة- الرابع
صالح مهدي محمد
كانت الغرفة أضيق من أن تُحصى، لا لأن الجدران متقاربة، بل لأن العدّ كان يتعثر كلما مرّ بها.
جلس سالم يتفقد أصابعه كما يتفقد حارسٌ سرّاً دفنه. وكانت مريم تبتسم في غير موضع الابتسام، كأن فمها يُطوّق باباً موارباً. أما حازم فكان يقرع الخشب بإيقاع ناقص، يترك في آخره فجوة لا يجرؤ على ملئها.
وكان هناك الكرسي الرابع.
لم يكن أحد يذكر متى وُضع. بدا كأنه سبقهم جميعاً وانتظرهم.
قال سالم:
ـ نحن أربعة.
خرجت العبارة مرتجفة، كمن يضع حجراً فوق قبر لئلا يضيع.
قالت مريم:
ـ بل كنا ثلاثة.
كأنها تفتش عن بداية أقلّ التباساً.
هزّ حازم رأسه:
ـ لا... اثنان فقط. ثم انكسر شيء في العدّ.
هبط الصمت بينهم. الصمت وحده لم يكن يحتاج إلى شاهد.
صدر من الكرسي حفيف خافت. حركة صغيرة، كأن أحداً بدّل جلسته ثم ندم. لم يلتفت أحد. كانوا يعرفون أن الأشياء تُولد حين تُحدَّق فيها طويلاً.
قالت مريم وعيناها معلقتان بشيء لا يراه الآخرون:
ـ ربما جاء مع أحدنا.
فأجابها سالم على الفور:
ـ معكِ أنتِ.
ابتسمت ابتسامة واهنة.
ـ أنا بالكاد أصل إلى نفسي.
ضحك حازم، ثم انطفأت ضحكته في منتصف الطريق.
ـ إذن جاء معك يا سالم.
ظلّ سالم صامتاً لحظة، ثم قال:
ـ لا أذكر أنني كنت كاملاً يوماً.
بدت الجملة أقدم منه.
ثقل الهواء. كأن مقعداً آخر سُحب إلى الطاولة دون صوت.
ثم قيل:
ـ أنتم من جئتم بي.
لم يكن الصوت مرتفعاً، لكنه وقع بينهم كشيء يعرف الأسماء.
تجمدت الأيدي. توقفت الطرقات. حتى ابتسامة مريم بدت متعبة من حمل وجهها.
قال حازم أخيراً:
ـ من هناك؟
ونظر نحو الكرسي. لم ير أحداً، لكن الفراغ نفسه بدا وقد أُزيح جانباً.
قال سالم بصوت خفيض:
ـ لسنا بحاجة إلى رؤيته... كي نكون سببه.
اقتربت مريم. مدت يدها فوق الطاولة، إلى موضع لا يدٍ فيه، وهمست:
ـ ربما هو ما لم نقله.
فجاءها الردّ:
ـ بل ما قلتموه... وتركتموه هنا.
دار الوقت حول نفسه. لم يتقدم، ولم يرجع. ظل يدور ككلب يبحث عن أثر صاحبه.
وقف حازم فجأة:
ـ يجب أن نخرج.
بدا كأنه يهرب من معنى، لا من غرفة.
سأله سالم:
ـ ومن يبقى؟
كان السؤال أثقل من أن يُجاب. تبادلوا النظرات، ثم نظروا إلى الكرسي.
قالت مريم:
ـ الذي يتذكر أكثر.
عندها شعر كل واحد منهم أن رأسه ممتلئ بأشياء لا تخصه. اتجهوا نحو الباب. كانت خطواتهم غير متوافقة، كأن كلاً منهم يعبر زمناً غير زمن الآخر.
انفتح الباب، لكن الممر كان يشبه الغرفة إلى حدّ الخيانة.
خرجوا، أو ظنوا أنهم خرجوا.
وبعد زمن لا اسم له، خفّت الأنفاس، وصارت الغرفة تتسع لثلاثة فقط.
ومع ذلك بقيت أربعة كراسٍ في أماكنها. أما الكرسي الرابع فكان هذه المرة ساكناً تماماً؛ كأن أحداً جلس فيه أخيراً، أو كأن أحداً لم يغادره قط.
