للذهاب الى صفحة الكاتب   

النبـّـاشون/ قصة قصيرة

عبد الرضا المادح

 

 

تتكدس اجسادهم في مؤخرة سيارة الشحن الصغيرة المتهالكة، التي استأجروها لتقلهم الى مكبّ النفايات كل يوم ذهاباً واياباً قبل شروق الشمس وعند الغسق.

 خارج المدينة تنحدر السيارة منالشارع الأسفلتي الى شارع ترابي، فتتلاطم الأجساد بملابسها المهترئة العفنة التي قلـّما يلمسها الماء، تلوح لهم من بعيد تلال النفايات مع انتشار الضوء، تتوقف السيارة فيقفز منها الكبار بخفة، صبيتان واخيهما الأصغر يساعدهم والدهم كما يساعد أمهمفي النزول، يعطيهم بعض التوجيهات والتحذير من زجاج القناني المكسورة والقطع المعدنية الناتئة، كل منهم يحمل كيس بلاستيكي كبير وعصى للنبش، بالأضافة لذلك تحمل أمهم كيس آخر فيه بعض من الخبز والخيار والطماطم كوجبة غذاء لهم، يبدؤون بجمع ما تجود به عليهم المزبلة الكبيرة، من انواع البلاستيك و قطع وأسلاك النحاس و أواني الطبخ من الألمنيوم، وحتى الملابس والاحذية التي يعتقدون أنها لاتزال صالحة للأستخدام! وأحياناً يعثر الأطفال على ألعابٍ فيفرحون بها حتى وإن كانت مكسورة أو عاطلة!

تبدأ الشمس بتسلق صفحة السماء لتتصاعد معها الحرارة، التي تبلغ في منتصف النهار الصيفي حتى خمسين درجة مئوية وأكثر فتتحول أجسادهم الى قطع لحمٍ تتقلب في فرن شواء كبير، سِربٌ من البشر تكللهم اسراب الذباب في هياج مستمر وفوقها اسراب منالغربان السود، كلها تتصارع من أجل لقمة العيش!

الروائح الكريهة تدخل أجسادهم من أنوفهم وعيونهم وآذانهم و من كل خلية في جسدهم! فيتحول المشهد الى سمفونية تراجيدية، صراخ وطنين ونعيق، لايشعر بلحنها ومشاهدها إلا هُم أبطالها الحقيقيون!

وصلت بعض شاحنات النفايات فبدأ المراثون خلفها لما تحمله من مفاجآت وأرزاق مرجوّة، وقدتحدث أحياناًبعض المشاحنات تصل حد الشتائم والعراك بالأيدي وخصوصاً بين الصبيان!

نادى الاب على زوجته و أولاده وفرحة مكتومة مرسومة على وجهه، أخذهم بعيداً عن الآخرين وهم في حيرة من تصرفه، مد يده في جيب بنطاله ثم سحبها وأصابع كفـّه مكورة تخفي شيء ما، فتح كفه وهو يصرخ :

ــ  ذهب... ذهب... انها سلسلة ذهبية!

فأصابتهم الدهشة والفرحة، وألتمعت أمنية مكبوته في ذهنها "آه... كم تمنيت أن تطوق رقبتي في ليلة زواجنا".

ــ  أكيد أن سعرها غالي، لك الحمد والشكر يا رب! قالت الزوجة وهي تردد والدموع في عينيها،ثم وجهت كلامها للأطفال:

ــ  سنشتري لكم ملابس جديدة!

كركر الأطفال فرحاً!

قبـّل كفه وقال:

ــ  الحمد لله والشكر على نعمته، فهو لاينسى الفقراء والمحتاجين بعطفه ورحمته! يجب أن نذهب لسوق الصاغة قبل أن يغلقوا محلاتهم.

بعد التوسل أليه وافق سائق احدى شاحنات الازبال،فحشروا أنفسهم في كابينتها ليقلهم الى المدينة.

ــ نحن نرضى بسعر مناسب أنت تقرره! قال الأب وحوله العائلة والجميع مشدودي الأعصاب وعيونهم متسمرة بوجه الرجل!

فحصها الصائغ ثم قال:

ــ  أنه ذهب مزيّـف لا قيمة له...!!

 

عبد الرضا المادح

2018.06.12