
قصة قصيرة/ قلوب من ملح
صالح مهدي محمد
في فناء البيت الطيني العتيق، تجلس النساء كل صباح حول مناخل الحنطة. الأيدي تتحرك بإيقاع رتيب، والوشوشة الناعمة للحبوب تكسر صمت المكان، كأنها تعزف لغة سرية فركتها الأيام.
هزّت أم منصور غربالها، وبصوت دافئ كالمواقد القديمة قالت:
— "انظرن إلى هذه الحبات.. كل واحدة تحمل سر المطر الذي غاب. الأرض لا تنسى يا نسوة، وإن نسينا نحن."
حرّكت أمينة الشابة الحنطة بين أصابعها الغضة، والفضول يلتمع في عينيها:
— "تقولين لا تنسى يا خالة؟ لكني أشعر أن الجدران تعبت من حكاياتنا. الشق الكبير في الحائط يكاد ينطق.. ألا تضيق البيوت بأسرار أهلها؟"
علّقت زكية بهدوء وهي ترمق زاوية الفناء المعتمة:
— "البيوت تتسع لنا كلما ضاقت بنا صدورنا يا أمينة. انظري إلى هذا الحمار الشاخص في الفراغ منذ الصباح.. أظنه يرى الراحلين الذين مشوا هنا قبلنا، ويسمع خطواتهم التي غابت تحت التراب."
أضافت فاطمة بمرارة تشبه طعم القهوة السوداء:
— "ليته يتكلم إذن ليخبرنا أين ذهبت تلك الأيام! منذ جئت هذا البيت وأنا أعيش في حكاية قديمة مطوية. كل شيء هنا يتحرك ببطء، حتى خيوط الشمس تتردد قبل أن تغرب وتتركنا للعتمة."
ردت أم منصور بحزم، وهي تطير القشور الذهبية في الهواء:
— "البركة في هذه الأناة، وفي الصمت الذي يفهمه بعضنا دون كلام. انظري إلى خديجة، يدها تنقي الحنطة بصمت منذ ساعة، لكن بالها مشغول بأمر عظيم."
عثرت خديجة على صوتها ببطء، وعيناها غائمتان:
— "نعم يا خالة.. بالي سافر مع الموج. أسمع صوت البحر من وراء هذه الجدران الطينية كأنه يناديني باسمي. أريد أن أترك هذا الوعاء الممتلئ بالتراب، وأغسل وجهي بماء مالح يُنسيني تعب السنين."
تبادلت النساء نظرات عابرة اختصرت دهوراً من الفهم. أومأت أم منصور إيماءة إذن وقورة، فقامت خديجة، وتبعتها أمينة وزكية. تركن الحنطة وخرجن من البوابة الخشبية العتيقة عبر الممر الضيق المتعرج، حتى انفتح المدى فجأة.. وانكسر الضيق عن بحر هادر، أزرق، يمتد بلا حواف.
جلست النسوة على الرمال الدافئة. غمست خديجة يدها في الماء البارد وقالت بنبرة ارتياح:
— "هنا فقط أتنفس بملء رئتيّ. في البيت، أشعر أن كل حجر يراقبني، أما البحر فيأخذ الحكاية، يغسلها، ويلقي بها في الأعماق دون أن يعيرها لأحد."
شهقت أمينة ضاحكة بخوف:
— "لكنه مخيف! هذا المدى يذكرني كم نحن صغيرات. في البيت أعرف حدودي؛ أتحسس الجدران، وأعرف أين تبدأ العتبة وأين تنتهي الساحة. هنا.. أشعر أنني لو خطوت خطوة أخرى سأذوب في الأزرق وأضيع."
ردت زكية وهي تتأمل قوقعة وردية التقطتها من الشاطئ:
— "الضياع ليس سيئاً دائماً، أحياناً نضيع لنبتعد عن أنفسنا القديمة ونعثر على الجديدة. انظري للقواقع.. تغير مكانها فغدت أجمل تحت الشمس."
التفتت إليها خديجة وعيناها تلاحقان المد والجزر:
— "كلامك مريح، لكني متعبة من تكرار الأيام. الحنطة هي الحنطة، والوجوه هي الوجوه. ألا تشتاقين لعاصفة بحرية تغير مجرى حياتنا الراكدة؟"
هتفت أمينة بحماس:
— "أنا أشتاق! أتمنى لو يأخذنا مركب كبير لبلاد وراء الأفق، بلاد مبنية من ألوان أخرى، لتبدأ الحياة هناك دون ماضٍ يلاحقنا."
مسحت زكية على كتف الشابة هازة رأسها:
— "يا صغيرتي، لو سافرتِ إلى آخر الدنيا، ستحملين ساحة البيت القديم في قلبك. الحكايات المحفورة في خطوط أيدينا لن تمحوها المحيطات. نحن لسنا مجرد نساء يعشن في بيت قديم.. نحن البيوت نفسها بطينها وصمتها."
تنهدت خديجة وعيناها على قرص الشمس الذي بدأ يغرق في جوف الماء:
— "ربما معك حق.. لكن طعم الملح ونسمة الحرية الآن يعادلان عندي طمأنينة الساحة كلها. لنبثّ همومنا للبحر، قبل أن نعود لصمت الطين المألوف."
وساد الصمت بينهن مجدداً، لكنه لم يكن كصمت الساحة الثقيل والمراقب؛ بل كان صمتاً حراً، ممتلئاً بهدير الموج، غسل دروب النفوس بملامح حرية مالحة.
