للذهاب الى صفحة الكاتب   

بين الذاكرة والمنفى:

قراءة نقدية في مجموعة "جلالة الآن" للشاعر قتيبة العباسي

نقد: كريم إينا

 

 

صدر للشاعر قتيبة العباسي مجموعة شعرية بعنوان: "جلالة الآن" الطبعة الأولى سنة 2024 مصمّم لوحة الغلاف: حكم الكاتب، طبعت المجموعة في دار ماشكي للطباعة والنشر والتوزيع في الموصل/ المجموعة الثقافية، تصميم المجموعة باسم محمد، التنضيد علي عبد المنعم يقع الكتاب بـ (105) صفحة إحتوت المجموعة على (30) قصيدة والكتاب من الحجم المتوسط بقياس(24في 16)، بعد قراءة نصوص المجموعة المرفقة، يمكن القول إنّنا أمام تجربة شعرية تنتمي إلى قصيدة النثر الحديثة في معظم نصوصها، مع حضور بعض النصوص القصيرة القريبة من الهايكو، كما تتكىء ثلاثة محاور كبرى يظهر فيها المنفى، والذاكرة، والموت بوصفه قريناً للوطن: على شبكة متّسع من التناصات الثقافية مع نازك الملائكة، ومحمود درويش، وكلكامش، وأنكيدو، وغيرها.

 

أولاً: العنوانات وبناء الدلالة

تلفت النظر عناوين مثل: " لغابة الذكرى" مأتم الحقائب" مرآة للشهادة" مذبح الثلج" بطاقتي بلا هوية" نيشتيمان". 

وهي عناوين تنتمي إلى حقلين متجاورين:

حقل الذاكرة والحنين.

حقل الفقد والإقتلاع.

فالعنوان عند الشاعر ليس مفتاحاً للنص فحسب، بل جزء من بنيته الرمزية.

ويظهر ذلك في «مأتم الحقائب» حيث تتحوّل الحقيبة من أداة سفر إلى رمز للمنفى. يقول:

/  حقائب الصباح /

دججتها بلوعة الرحيل /

ثم يبلغ الرمز ذروته بقوله:

/ حتى حقيبة اليد /

لمحتها في المشرحة /

إذ تنتقل الحقيبة من معنى الرحلة إلى معنى الموت.

 

ثانياً: ثيمة المنفى والاقتلاع

تعد هذه الثيمة المحور الأكثر حضوراً في المجموعة.

في «بطاقتي بلا هوية» يستدعي الشاعر نص محمود درويش إستدعاءً مباشراً.

"عذراً محمود درويش

/ سجل

أنا... /

 جسد بلا وجه يميزني //

ثمّ يوسع دائرة المنفى لتشمل العراق والشام معاً.

/ وأنا

عراق نازح عن نخله وفراتهِ /

هنا لا يعود النزوح حادثة سياسية عابرة، بل يتحوّل إلى سؤال وجودي يمسّ الهوية ذاتها

ومن أجمل المقاطع الدالة على ذلك ما ورد في " نيشتمان "

/ غزلانها نازحة

عن ضوئها /

عن لهوها

عن ضحكها /

فالنازح لا يفقد المكان فقط، بل يفقد تفاصيل الحياة اليومية التي تشكل وجوده.

 

ثالثاً: الذاكرة بوصفها وطناً بديلاً

في هذه المجموعة تحضر الذاكرة بوصفها البديل الوحيد للوطن

في رثائه لنازك الملائكة يقول:

/ وما درت أنّ العصافير

تذوب خلسةً /

 بعد الوداع //

وفي " نخلة الأصداء"

"مدينة ترنو لذكرى راحلة"

فالذكرى ليست إسترجاعاً للماضي، بل محاولة لمقاومة الفناء

وهذا يتكرّر في نص "على هذه الأرض"

/ على هذه الأرض /

 سار الزمان أماماً //

 وسرنا نعادي الأمام //

حيث تتحوّل الذاكرة إلى موقف نقدي من الحاضر.

 

رابعاً: الصورة الشعرية

من أبرز عناصر القوة في المجموعة ثراء الصورة الشعرية

نقرأ مثلاً:

 قطعة الثلج تلهو //

مع الجن

 في حانة أنكيدو //

هذه صورة سريالية مركبة تجمع

الثلج

الجن

الحانة

أنكيدو

في فضاء واحد.

وكذلك:

   "يتجذر نبتة في قدح ماء"

أو:

/ الليل والسكون/

/ يحتسيان بكأس المحاق /

/ دمع الوطن /

وهي صور تقوم على تشخيص المجردات ومنحها حياة إنسانية.

 

خامساً: التناص الثقافي

من أبرز سمات المجموعة كثافة التناص.

نجد:

التناص مع نازك الملائكة

في قصيدة كاملة بعنوان:

"إلى الشاعرة الراحلة نازك الملائكة"

وفيها إشارات إلى العراق والليل والحزن، وهي مفاتيح مرتبطة بتجربة نازك نفسها.

التناص مع محمود درويش

في:

"عذراً محمود درويش"

وفي:

"على هذه الأرض"

وهو تناص معلن لا يخفي مصدره.

التناص الأسطوري

في:

"أنكيدو"

و:

"كلكامش"

وهي إحالات تمنح النص عمقاً حضارياً مرتبطاً ببلاد الرافدين.

 

سادساً: اللغة الشعرية

لغة المجموعة ذات طابع إنزياحي كثيف

من أمثلة ذلك:

"الرعشة في شهقة الضياء"

و:

"مهرة الإيحاء"

و: " خافقها العراق"

فالشاعر لا يعتمد اللغة التقريرية، بل يفضل لغة الإيحاء.

إلاّ أنّ هذه الميزة تتحوّل أحياناً إلى نقطة ضعف عندما تتراكم الصور بصورة تجعل الدلالة غائمة

مثلاً في:

"يستبي تبره ظلّه جهراً في العيون"

أو:

"أعتليني بها عذقاً مثقلاً"

حيث تصبح العلاقة بين المفردات غير واضحة بما يكفي للمتلقي.

 

سابعاً: الملاحظات النقدية

الإفراط في الكثافة الرمزية

بعض النصوص تعتمد تراكم الصور دون منح القارئ فرصة لإلتقاط الخيط الدلالي

مثل مقاطع من:

«ليال عضال»

«مرشح»

«دوار الحلول»

وهذا يجعل النص أحياناً أقرب إلى التداعي الحر منه إلى البناء العضوي.

تفاوت المستوى الفني

بعض النصوص بالغة القوة، مثل:

«مأتم الحقائب»

«بطاقتي بلا هوية»

«نيشتيمان»

«على فراش كوفيد»

بينما تبدو نصوص أخرى أقرب إلى المسودات الشعرية أو الشذرات.

الحاجة إلى مزيد من الإقتصاد اللغوي

في عدد من النصوص يمكن حذف أسطر كاملة دون أن يتأثّر المعنى، وهو ما يزيد من توهج النص.

فمثلاً في «على فراش كوفيد» تبدو المقاطع الأخيرة أكثر إمتداداً من الحاجة الفنية.

 

تكشف هذه المجموعة عن شاعر يمتلك خيالاً خصباً، وثقافة واسعة،

وقدرة واضحة على بناء الصورة الشعرية، وحساسية عالية تجاه قضايا الوطن والمنفى والذاكرة.

وأبرز نجاحاتها تتجلّى في النصوص التي يلتقي فيها الهم الشخصي بالهم الجمعي، كما في «مأتم الحقائب»، و«بطاقتي بلا هوية»، و« نيشتمان » »

 

أما التحدّي الفني الأبرز أمام هذه التجربة فهو تحقيق توازن أدق بين كثافة الرمز ووضوح الدلالة، بحيث تبقى القصيدة مفتوحة على التأويل دون أن تنغلق في غموضها. ومن ثمّ يمكن عدّ هذه المجموعة تجربة ناضجة في شعر المنفى العراقي المعاصر، ذات صوت خاص وصور لافتة تستحق الدراسة والإحتفاء.