للذهاب الى صفحة الكاتب   

قصة/ هاجرت ديزي، أنتحر صبحي، سُرق النهر، رحل الأحبة!

يوخنا أوديشو دبرزانا

شيكاغو 2026 / بداية تموز

 

ليس وسيما ما فيه الكفاية وإن كان مقبول الشكل إلى حد ما لكن جرأته أسرتني وذلك العمق والبريق في عينيه الذابلتين. هذا ما أباحت ديزي لزميلتها وبنت عمته. كان يقود راجلاً الدراجة المُحَملة بالسكر والرز بما لا يقل عن خمسة وثلاثين كيلو لعطل في عجلتها فأضحت الدراجة تقوده.

 إنها بداية زمن القحط السوري حدث ذلك في صيف من ستينيات القرن الفائت  تحديداً  بعد اندحار الجيوش العربية وخسارة سورية محافظة بالكامل بدل أن تحرر شبراً واحداً من فلسطين أما في مصر لم يكن الحال أفضل. دعوني من هذا الحديث ربما سنقرأه  يوماً في كتب التاريخ أنتصاراً. يقول حنانيا دعني أعود بك  الى قصة الأرز والسكر. هذا يا صديقي في مصر أطلق عبد الناصر شعار شد الأحزمة على البطون كسياسة تقشف استعدادا لمعركة التحرير القادمة فزايد عليه البعثيون في سوريا بشعارهم (كل شيء للمعركة) فكانت حملة التقنين التي تم فيها  تحديد حصة الفرد من المواد التموينية الأساسية لذا استحدثت بطاقات ذو قسائم لكل مادة لونها. يقول صاحبنا كوننا عائلة كبيرة لدينا دائماً زواراً وقد نفذت المونة. لم يكن لدى سمان ضيعتنا سبيلاُ للتجاوز لأن حصة كل زبون مصانة لكن في هذه القرية سمان صديق للوالد مُلَقَب بعزرا الآشوري تيمناً بسمان من يهود القامشلي الذي لم يكن يخلو متجره حتى من لبن العصفور كما يقول المثل العامي ناهيك عن معاملته الطيبة للزبائن، ما زال المحل يحمل اسم صاحبه اليهودي المهاجر.

لهذا السمان عزرا الآشوري من الشطارة ما يمكنه من تأمين حاجة أصدقائه. كنت أسير متثاقلاً مهموماً لم ارغب بطلب المساعدة من أي من معارفنا في تلك القرية كي لا اضطر للبوح عن حمولة دراجتي وهذه وصية السمان تلافيا لأي مشكلة.

ما نطقت به ديزي أثناء مروري من أمامهن خدش عدم اكتراثي، كانت الجملة التي فاهت بها دافعاً للمغامرة ((يا مسكين إن حالته تثير شفقتي)). ظللت صامتاً مشيت بالدراجة بعرض الشارع اسندتها إلى جذع شجرة توت تقدمت نحوها عيوني لم ترف بل ظللت محدقاً في عينيها العسليتين. قطفت زهرتين من شجرة رمان كانت تظللهن ولم أسأل عمن قالت، اتجهت صوبها سألتها هل أنت صادقة في اشفاقك وتحسرك على حالي؟ ردت مبتسمة لست أنا بل زميلتي. قلت بلى أنت إن النغمة الموسيقية الحنينة في صوتك لامست شغاف قلبي ثم إن هذا البريق في عينيك  يفضحك ويبيح لي أنك أنت. ردت زميلتها نعم هي القائلة. لم انطق بكلمة بل مدت يدي إلى جديلتها الكستنائية الطويلة الوحيدة الململة لشعرها المجعد الكثيف والمسترخية باطمئنان على نهدها الأيسر. شككت زهرتي الأولى قائلاً هنا تبدو أجمل أما الزهرة الثانية جعلتني فنانًاً متحسساً لمكامن الجمال ولاول مرة تيقنت من ذكاء وجرأة يدي، شككتها قريباً من وجنتها. وقفت مشدوهة مسمرة في مكانها غير مقاومة. مسكتها من يدها وقلبي خافق كقلب عصفور دوري بداية تجربته الطيران الأولى خائفاً من السقوط، هي لم تمانع كان الدم غازياً الوجنتين خلته انعكاساً للون زهرة الرمان سرت بها صوب الدراجة كي تنظر في المرآة المثبتة على المقود لأريها جمالها. حينها رمقتني بنظرة وابتسامة مع بعض الارتباك والتلعثم في كلمات الشكر لكن الجرأة  خانتني هذه المرة لأني لم أوقع الميثاق بختم القبلة الأولى. قلت لها مودعاً وعدا ًسنلتقي لأني في عجلة ففي ضيعتنا عزاء وسيكون لدينا ضيوفاً. لكن اعدك بلقاء قريب. قالت لكن نحن لا نسكن هنا، قلت أعرف. سألت مستغربة  ما أدراك؟ أجبتها ألا تتذكرين أن عيوننا التقت الصيف الفائت على ترعة النهر في ضيعتنا في عيد القديس مار سابا شفيع ضيعتنا؟ لقد استفسرت عنك وهوذا القدر يجمعنا إن العطل في دراجتي جعلك تشفقين علي ويقودني للالتقاء بك. ردت وأنا ايضاً عرفتك لذا تجرأت لكن غداً سأعود حيث نسكن الآن، لقد أصبح عمل والدي في قرية تل الصخر القريبة من ضيعتكم من الجهة الأخرى للخابور. قلت اعرفها جيدا حيث تسكن عمتي انتظريني فبعد غد نلتقي سأكون ضيف قرية تل الصخر. الصديقة كانت مشدوهة بعض الشيء وظلت صامتة فالتفت إليها قائلاً إذا ما زال قلبك خاوياً سأجد له من يسكنه، احمرت خجلاً، ردت ديزي ضاحكة هو كذلك ستشكرك على ذلك. ديزي ذكرتني بمهمتي استأذنتها مودعا مصافحاً فكانت الصاعقة الثانية التي هزت كياني. سرت في طريقي منتشياً فرحاً بدا ثقل الحمل والدراجة بوزن الريشة. ذلك اللقاء زودني بطاقة استثنائية. أوصلت الأمانة. في المساء استلقيت على فراشي الممدد على سطح الدار استقر رأيي على خطة سرق الدراجة مساء اليوم القادم والعودة ليلاً من دون أن يشعر بي أحدهم. قرية تل الصخر ليست بعيدة انها على مسافة نصف ساعة. إرتاح بالي على تلك الخطة. نمت ليلتي سابحاً ما بين درب التبانة والنجوم.

في الليلة التالية لم تتم الخطة كما رسمتها، الدراجة مازالت مع شقيقي في المزرعة وربما هو الآخر على موعد ما وإلا لما تأخر خطرت لي فكرة إغراء صديقي توما  للتعرف على صديقة ديزي رغم إني لا أعرفها وما يكون اسمها لذا لم يتوان توما  عن إعارتي دراجة والده راجياً إعادتها لأن والده يحتاجها فجراً.

في التاسعة غادرت البيت خلسة. على مرسى السفينة كان توما مع الدراجة بالانتظار بادياً عليه الارتباك لدرجة قضم أظافره خوفاً من التأخير وفضح الامر وعقاب والده، لكن الاغراء بصديقة ديزي خف من وطأة الارتباك القاسي مٌطَيباً  خاطره. أسرعت باستلام الدراجة وتحميلها على السفينة. توما لم يغادر المرسى إلا حين بلوغي الضفة الأخرى. من حسن حظي كان القمر بدراً  والطريق واضح رغم رهبة الليل. حين وصولي كان الجميع في فناء الدار. كان مجيئي في ذلك الوقت مفاجأة للجميع. بدا الارتباك على عمتي عما جاء بي في هذا الوقت طمنتها إني  أحببت زيارتهم وهل لديك مانعاً أجابت بالعكس يا عزيزي لكن في هذا الوقت لقد ارعبتني. ديزي كانت ايضاً متواجدة مع أهلها حيث الدور المتلاصقة كانت قد أباحت لابنة عمتي عما جرى لذا كانت بالانتظار غير مصدقة الإيفاء بوعدي.

 تم اللقاء في دغل شجر التوت الذي كان قد نصب لتربية دودة القز وصناعة الحرير من قبل صاحب المزرعة السابق لكن بعد استيلاء الدولة بموجب قانون المسمى بالإصلاح الزراعي أبطل ذلك الإنتاج. لقد استطاع أولئك الغيارى الوافدين من قرى الخابور الآشورية القريبة من عمال تقنيين المشرفين على محركات مضخات المياه وسائقي الجرارات الزراعية والإداريين الحفاظ عليها ليس للاستفادة من ثمارها فقط بل للاستمتاع بوجودها منتزهاً وملعباً للاطفال. لحظة الوداع  كانت أكثر حميمية من اللقاء. خلف شجرة توت تم ختم الميثاق المؤجل بحبر الرضاب  اللذيذ.

في العودة كان يقود الدراجة بزهو لكن ما لم يكن بالحسبان أن يصل المرسى  والسفينة على الضفة الأخرى والمناداة طلباً للعون في هكذا وقت متأخر من الليل مستحيلة. توجه إلى سفينة القرية المجاورة هي أيضاً على الضفة الأخرى. لم يكن  من سبيل غير السباحة وجلب السفينة لتحميل الدراجة. يقول كنت متردداً في البداية. إن لليل رهبته. كنت خائفاً حقاً ذلك الخوف المتأصل منذ نعومة اظفارنا. كثيراً من الحكايات والقصص عن الحيوانات النهرية حيكت اراها اليوم اساطير إن الحيوان الوحيد النادر الذي كان في نهر الخابور هو القندس الوديع. للاسف صيادوا السمك قد قضوا عليه رعباُ لجهلهم بوداعته لكن صمت النهر في الموقع وكثافة اعشاب القصب والبردي وأشجار الصفصاف كلها توحي بالرهبة، اخيراً حزمت أمري مقرراً العبور بواسطة الكابل المعدني الواصل بين الضفتين لكن خشونته كادت تدمي كفيّ سرت عدة أمتار  فاستحالت علي المتابعة ولم يكن من سبيل غير السباحة، تخليت بهدوء عن الكابل مستلقياً سابحاً على ظهري هويناً من دون تجديف مسكوناً  بالخوف. الصمت يشقه نقيق الضفادع وهديل اليمام المعشعش على أشجار الصفصاف لكن شعشعة القمر مدعاة للاطمئنان لقد لامس مشاعري حاثاً لي إلى تغليب الأحاسيس على التفكير لاكتشاف مكامن المتعة والجمال. إنها دعوة لتخصيب الخيال لذا لم اعد افكر في شيء طاوعت احساسي سابحاً مؤجلاً بلوغ الضفة متمنياً لو أن ديزي تشاركني هذا الشعور الجميل. هذا التناغم بيني وبين النهر قد عشته في صباح شتائي حين قصدت النهر يوماً لتوريد صديقي حصان المزرعة الأبيض. كانت زيارتي الشتوية الأولى، شعرت بالدفء حين اقترابي من الضفة انذهلت للمنظر الرائع للصفصاف العاري والبخار المتصاعد وكأن الصفصاف أجساد صبايا تستحم بالبخار. الماء كان دافئاً رغم درجات الحرارة المتدنية كثيراً ما كنت اقصده مستمتعاً بوداعته على نغمة هديل يمامة معشعشة على غصن شجرة الصفصاف الذابل الفاضح لعشها. رغم غربتنا  ظل النهر محجاً لي زيارته ولو لمرة كل صيف نذراً علي إيفائه. في كل زيارة كنت اعبر للضفة الأخرى اجلس تحت الشمس لساعات متأملاً بساتين الضيعة الغناء وبيوتها الوديعة مستمتعاً بأصوات هرج الأطفال ممزوجة بصراخ الشباب وأهازيج الصبايا 

 في زيارتي لمعشوقي في السنين الأخيرة بدا متقاقلاً في المسير شاحباً، العلاقة بينه وبين ضفافه أضحت فاترة  كما فتور العلاقة بيني وبين ديزي التي حددها قرار ذويها الهجرة. ها قد فُرضَ علي الاختيار بين عشق التراب والنهر وعشقي لديزي هناك تلازماً بين المحبتين كان علي التفضيل ولو على مضض. ما زالت  متعة الليلة التي أمضيناها سوية والغصة والحسرة التي عشتها أثناء الوداع في مطار دمشق تضاهي أيام بهجتي وحسرتي على النهر الآيل للأفول. غابت زرقته وغابت نغمات جريانه بين صخور سكور النواعير العتيقة كما غابت ابتسامة ديزي الدائمة المقرونة بضحكاتها الرنانة ومما زاد في حسرتي عجز النهر عن عكس زرقة سماء وطني التي افتقدها في غربتي. إن الشحوب وبطء جريانه بدا كعزيز قوم ذله الخصوم فنال منه الوهن والقهر. لقد أضحت الأعشاب واشجار الصفصاف وبساتين الضيعة ووجوه الناس في وجوم. يستطرد مستذكراً امنية  بعض السباحين من اليافعين جفافه لأيام للبحث عن مكنون قاعه من التبر  جاهلين أن في جريانه كانت كل الجواهر. لقد كان هو الحياة. تشخيص حالة النهر حسب إفادات المختصين جريمة كاملة الأركان فضحتها رائحة غاز الكبريتي  المنبعث من عشرات آلاف الثقوب في غطاء بحيرته، إنها بداية سرقته المختتمة  في تحويل مجراه لاحقاً. لقد كانت سرقة بعلم وخبر القائمين على أمن الوطن رغم تحذيرات المختصين الغيارى وصرخة أبناء الخابور المبحوحة وما من غيور استجاب. لقد ٍسُرق منا النهر كما كما سُرق الوطن. غاب النهر غابت ديزي وغاب أولئك الذين نسجوا الحب على ضفافه ورسموا بالجهد ضفتيه لوحات بساتين ومروج وجنائن. لقد رحلوا ورٌحِلوا إلا بعض الجسورين ممن ينتظرون عودته وديعاً أو غاضباً أما الصديق صبحي فقد قرر وفضل الغياب منتحراً في النهر قبل أن يغيب.   

أولئك المهاجرين في غربتهم يقلبون الصور وما اتعس الحياة حينما تغدو مجرد البوم صور 

        

يوخنا أوديشو دبرزانا

       شيكاغو 2026 / بداية  تموز