
طُموح/ قصّة قصيرة
عامر عودة
كان رائد ابن أربعة عشرة عامًا، عندما سافر بالطّائرة لأوَّلِ مرَّة. قالت له أمه قبل أن تُقلعَ الطّائرة:
سنطير بعد قليل يا رائد... سنكون فوق الغيم على ارتفاع شاهق... لكن لا تخف؛ الطّائرة من أكثر وسائلِ النَّقل أمانًا.
فتح رائد عينيْه بدهشة. لا دهشة خوف بل دهشة فرح. فحلمه سيتحقّق. سيُحلِّق في السّماء، وسيرى العالم على طبيعته، بجباله وسهوله، بأنهره وبحوره. لا كما هو مرسوم على صفحاتِ الخرائط. فالطّبيعة لا تعترف بالخطوط، خاصّة الحمراء، فما هي بالنّسبة لها إلّا خطوط وهميَّة.
كم أحبَّ رائد دروسَ الجغرافيا وكم كرهَها! أحبًّها لأنّها تأخذه برحلة خياليَّة بينَ الهضاب، وتطير به إلى قممِ الجبال، ثمّ تهبط به بأمان إلى السّهول والوديان، وتمشي به على ضفافِ الأنهر، ولا تتركه يرتاح إلّا على شطآن البحار... أحبَّها لأنَّ الخرائط تُبَيّنُ معالمَ التّضاريسَ الطّبيعيّةِ الّتي يحبُّ التّمتّع بجمالها. لكنّه كرِهَ تلكَ الخطوطَ الحمراءَ المرسومة في الخرائط! لذلك كان يحاول ألّا ينظر إلى الخرائط السّياسيّة، لأنّها تُقَسِّمُ الطّبيعةَ بينَ الدُّول، وتَضع لاستمرارها حدودًا حمراء يُمنع تَخطّيها.
وأكثر ما أثار فضوله، تلكَ الخطوطُ الّتي تُقَطِّعُ الكرةَ الأرضيَّة طولًا وعرضًا. وعندما علِمَ أنَّ الطّائرات تحدّد مسارها حسب هذهِ الخطوط، ازداد اهتمامه بها.
سبقه قلبه بالطّيران فرحًا عندما بدأتِ الطّائرة بالارتفاع عنِ الأرض. ظلَّ ملتصقًا بالنّافذة يتأمّلُ المشهد بفرح لا يوصف. ورأت أمُّه في عينيْه بريقًا لم ترَهُ من قبل. وعجبت عندما قال لها:
أمّي... أريد أن أصبحَ طيّارًا.
فوضعت قُبلة على جبينه قائلة:
إن شاء الله يا بنيّ، أنت قادر على تحقيق ما تريد.
وسكتت. فطموحاتُ الأطفال كالأرضِ الخصبة، تَنبت فيها الكثير منَ النّباتات، ولا يُبقي صاحبها منها إلّا ما ينفعه...
زرع رائد حلمه زنبقة في أرضِ أحلامه... كان يقرأ عنِ الطّائرات، وتاريخِ الطّيران. وشعر باعتزاز وفخر، عندما عَلِمَ أنَّ أوَّل مَن حاولَ الطّيران كانَ الأندلسيّ عبّاس بن فرناس، الأمر الّذي شجَّعه بالتَّمسّك بطموحه.
أراد أن يكون متميّزًا؛ فطوى صدره على سرِّهِ وسجنه، وأبقاه هناك حتّى يحين موعدُ إطلاقِ سراحِه، كي لا يخطفه منه أحد. وعندما أصبح في الصّفّ الثّامن، سأل مربيّ الصَّفّ في إحدى الحصص طلّابه عن طموحاتهم، وعنِ المهنِ الّتي ينوون مزاولتها في المستقبل...
كان رائد محلِّقًا بطموحه فوقَ الغيم، مسافرًا بخياله من دولة ألى أخرى، قاطعًا البحار والحدودَ الدَّوليّة، قبل أن يقعَ عليه سؤالُ المعلّم كالصّاعقة. فهبط بطائرة أحلامه هبوطًا اضطراريًّا سريعًا مرتطمًا بأرضِ الواقع. ومن شِدَّةِ الارتطام، هرب سِرُّه من أسرِهِ، منطلقًا إلى ساحةِ الحقيقة دون أن يستطيعَ الإمساك به:
أريد أن أصبح... ط... طيّارًا.
اتسعت حدقتا المعلّم عجبًا. ثمّ انفرجت شفتاه عن ابتسامة اضطراريّة قائلًا:
أرجو أن تحقّق ما تحلم به يا رائد، لكي تأخذنا في جولة إلى أجمل مدنِ العالم!
في هذهِ اللّحظة مرَّت طائرة صغيرة في السّماء. فرفع رائد رأسه ناظرًا إليها من خلال نافذةِ الصّف. وسَبَحَ على أجنحةِ الحلم؛ فطار معها فوف سحابة منَ السَّعادة، دون أن يعي أنَّ هذا الحلمَ الجميل يستطيع أن يتخطى حدود جميعِ الدّول، لكنّه لا يستطيع أن يتخطّى الحدودَ الّتي تفصل بين شعبيْن يعيشان في دولة واحدة!
