للذهاب الى صفحة الكاتب   

قصة قصيرة- الزجاجة فارغة

صالح مهدي محمد

 

 

المساءات المتعبة لا تجلب الصمت؛ إنها تفتح الأبواب التي يظنها النهار موصدة. ما يُدْفَنُ في الضوء، ينهض عند انطفائه، خفيفا كالغبار، وثقيلا كالعمر. تتقاطر الأصوات القديمة من غور الذاكرة، لا لِتُسْمَعَ، بل لتبحث عمن يحتمل رجعها. وبعض الكلمات، حين تعجز عن العثور على فم يليق بها، تختار زجاجة فارغة، وتنتظر.

 

(1)

في زاوية المقهى البحري، حيث يمتزج زبد الموج برائحة البن، يجلس جلال، وفي يده زجاجة خضراء فارغة. لم يكن ينظر إليها بوصفها إناء خلع كينونته، بل بوصفها خزانة لسر. يقرب فوهتها من فمه، ويهمس بكلمة واحدة؛ كلمة ثقيلة خشي أن تتبدد في الهواء. ثم يُحْكِمُ إغلاقها بقطعة من الفلين، ويضعها على الطاولة.

ينهض جلال ببطء، ويبتعد، تاركا الزجاجة خلفه، عرضة للرياح.

 

(2)

تقترب مي، تلك التي اعتادت أن تجلس بمحاذاة النافذة، مصغية إلى ما يتسرب من وراء ضجيج الرواد. تقع عينها على الزجاجة. تلتقطها برفق، وتديرها بين أصابعها. كان في جوفها ارتجاج خافت، كأن الفراغ يتذكر شيئا.

رفعت رأسها نحو النادل:

— هل نسي أحد صوته هنا؟

ابتسم ابتسامة اسْتَهْلَكَتْهَا الأعوام:

— الناس ينسون هنا كل شيء؛ مظلاتهم، مواعيدهم، وأسماء الذين غادروا. دعيها مع ما يُرْمَى.

ظلت تحدق في الزجاجة:

— لكنها لا تبدو فارغة.

 

(3)

كان أدهم، الجالس قبالتها، يراقب المشهد كما لو أنه يعثر على افتتاحية قصة أضاعها منذ زمن. أشار بقلمه إلى الزجاجة:

— الكلمات التي لا تقال لا تختفي، إنما تغير مخبأها.

سألته مي، من غير أن ترفع عينيها عنها:

— وإن فُتِحَتْ؟

أطرق قليلا:

— قد يخرج منها صاحبها.

في تلك اللحظة، عاد جلال. توقفت خطوته عند الطاولة، واستقرت عيناه على الزجاجة في يد مي:

— عفوا... إنها لي.

ناولته إياها، ثم قالت:

— بدا لي أنك أخفيت فيها أكثر من الهواء.

لامست أصابعه الفلين:

— أخفيت ما لا أحتمل سماعه إذا خرج من فمي.

دون أدهم جملة سريعة في دفتره، ثم أغلقه على مهل.

 

(4)

اقترب يونس، الشيخ الذي صار البحر مرآته الأخيرة. توقف خلفهم، ونظر إلى الزجاجة كما لو أنه يعرف تاريخها، وقال بصوت هادئ:

— ما يُحْبَسُ طويلا، يتعلم شكل السجن.

قال جلال:

— إنها كلمة وداع.

هز الشيخ رأسه:

— الوداع لا يصدأ إذا قيل، لكنه يصدأ إذا أُخْفِيَ.

وضعت مي الزجاجة على الطاولة، ودفعتها نحوه برفق:

— افتحها... فالفراغ أيضا يختنق.

 

(5)

تطلع جلال إلى الوجوه التي أحاطت به. لم ير فضولا، بل مرايا.

رفع الزجاجة. سحب الفلين ببطء.

لم ينطلق صوت.

غير أن نسمة باردة عبرت المقهى، حاملة رائحة مطر قديم، وارتجف فنجان على طرف الطاولة، ثم استقر، كأن أحدا نهض أخيرا من مقعد ظل يَشْغَلُهُ سنوات.

ابتسم أدهم:

— يبدو أن الكلمات تعرف طريقها، حتى حين لا نسمعها.

أطلقت مي زفرة خفيفة، كأنها كانت هي الأخرى تنتظر خروج شيء منها.

أما الشيخ يونس، فاكتفى بأن نظر إلى البحر، وقال:

— الآن فقط... صارت الزجاجة فارغة.

 

(6)

بدأ المطر يهبط بخفة، كأنه يكمل ما عجزت الكلمات عن قوله.

عادت مي إلى نافذتها، وعاد أدهم إلى دفتره، ومضى يونس نحو الشاطئ حتى ابْتَلَعَهُ الضباب.

أما جلال، فالتقط الزجاجة الفارغة، ووضعها في حقيبته. لم تعد خزانة لسر، ولا قبرا لكلمة. كانت أخف من أن تحمل، وأثقل من أن تنسى.

ومضى تحت المطر، تاركا وراءه مساء أقل ازدحاما بالأصوات، وأكثر اتساعا للصمت.