
من أجلِ الْوَطَنِ/ قصة قصيرة
مارتن كورش تمرس لولو
محامي وقاص
قرّرَ أبناءُ بلادِ ما بينَ النهرينِ، القيامَ بمظاهرةٍ. بعدَ أن اكتملَ عددهم عند المساءِ، وتجاوزَ مئةَ مليونِ مُتظاهرٍ! ساروا عَلى شَكلِ كَراديسَ، وأَمامهُم يَسيرُ المُنشِدونَ وهم يُنشِدونَ النشيد الوطني، السلام الجمهوري "موطني موطني". ثم أخذوا يَدُقُّونَ طُبولَ الفَرَحِِ، وقَد رَفَعوا شِعاراتِ الحريةِ.
وَصَلوا إِلى ضِفَّةِ نَهْرِ دِجْلَةَ، فَتقدَّموا صُفوفًا تِلوَ الأُخرى ليجلِسوا على رُكَبِهِم ويُطفِئوا ظَمأَهُم من مياههِ. وما إِن انْتهَوا حتى كانَ الليلُ قَد خَيَّمَ بِظُلمَتهِ، فأَخذَ كلُّ واحدٍ منهم مِشعَلًا بِيَدهِ لِيُنيرَ طَريقَهُ. وَفجأَةً التَفَتَ معظَمُهُم إلى جهَةِ اليَمينِ عندَما دَوَّى صَوْتٌ يُشبِهُ صوتَ زَلْزَلَةٍ:
- قِفوا! قِفوا! إِلى أَيْنَ تَقودُكُم مَشاعِلُكُم؟
لم تُجبهُ الجموعُ. فصرخَ متوعدًا ومهددًا. وإذَا بهم يصرخونَ بصوتٍ واحدٍ طغى على صوتهِ:
- علينا الذهابُ إلى نهرِ الفراتِ.
- وما شأنكم به؟
- نريدُ أن نعرفَ ما مصيرُ الوطنِ، كي نحررَ رقبتَه من قيودِ منْ فسدتْ نفوسهم.
- ليس هذا شأنكم. من هذه الساعةِ ستعيشونَ في ظلمةٍ حالكةٍ.
فإذا بصاحبِ ذلك الصوتِ يُرسلُ على جناحِ السرعةِ رجالًامتخفينَ في زيٍّ مدنيٍّ، فاندسوا بين المتظاهرينَ وخلفَ ظهورهم، وأخذوا يطعنونهم بسكاكينٍ وخناجرَ ذاتِ رؤوسٍ نوويةً! فوقعتْ زعزعةٌ بين صفوفهم مما أدى إلى انقسامهم إلى طوائفَ. كأن مرحلةً جديدةً على وشكِ أن تبدأ، لم يحسبوا لها حسابًا! حتى دوَّى في الجوِّ صوتٌ يُشبهُ قهقهةَ دبٍّ.
- ارجعوا، ارجعوا. عودوا أدراجَكم ولازموا بيوتَكم، وإلا عرّضتم أنفسَكم لغضبِي، حينها لن تشفعَ لكم الحريةُ.
توسّعتْ هوّةُ الانقسامِ فيما بينهم، حتى قرّرَ البعضُ منهم الانسحابَ. وإذا بشابٍّ يعتلي شجرةً ويعلنُ عبرَ سماعةِ مكبّرِ الصوتِ:
- أيها العراقيُّونَ، حرروا أنفسكم من الترددِ والخوفِ والزموا أماكنكم!
فأخذوا يسيرونَ ككردوسٍ عسكريٍّ. وما أن قطعوا عِدةَ خطواتٍ حتى بدأتِ الخيوطُ الأولى لِوِلادَةِ فجرٍ جديدٍ. فصرخَ الجمعُ مبتهجًا:
- اعلموا أن ضِفَّةَ النهرِ أصبحتْ أقربَ إليكم من بيوتكم. رُصُّوا صفوفكم، إننا مزمعون َعلى التقدمِ.
ما إن قطعوا مسافةً من مسيرتهم، حتى انبرتْ فتاةٌ من بينهم، وصاحتْ عَبْرَ مُكبِّرِ الصوتِ:
- لقد أشرقتِ الشمسُ... أُنظروا ها هي ضَفَّةُ نهرِ الفراتِ!
إذَا بصوتِ ملكٍ من ملوكِ الإمبراطورية الأَشُّوريةِ، يُجيبها باللغةِ الأُمِّ بأعلى صوتهِ:
- ܬܵܘ ܢܸܫܐܸܠ ܠܵܗ̇ ܠܫܸܡܫܵܐ ܥܲܠ ܣܲܗܪܵܐ ܘܟܵܘܟܼܒܹ̈ܐ.(دعونا نسألها عن القمرِ والنجومِ).
وصلوا إلى ضِفَّةِ نهرِ الفراتِ، فإذَا بصوتٍ من السماءِ يأتي:
- "وَكَثِيرُونَ مِنَ الْكُورِنْثِيِّينَ إِذْ سَمِعُوا آمَنُوا وَاعْتَمَدُوا."(أعمال الرسل 18: 8).
إنها دعوةُ لكلِّ الذين فسدتْ نفوسهم وسلوكياتهم، كي يتطهَّروا في مياهِ نهرِ دجلةَ أو الفراتِ. لأنهم وكلاء على المالِ العامِّ "اَلأَمِينُ فِي الْقَلِيلِ أَمِينٌ أَيْضًا فِي الْكَثِيرِ، وَالظَّالِمُ فِي الْقَلِيلِ ظَالِمٌ أَيْضًا فِي الْكَثِيرِ." (لوقا 16: 10).
المحامي والقاص: مارتن كورش تمرس لولو
