
الأرض تتنفّس أبي- قصة قصيرة
سميرة كنعان خلايلة
من قال إنّ الموت هو نهاية الأنفاس؟!
في صحن الدار، تربض شجرة التوت، شامخة باسقة، تتدلّى من أغصانها المتشابكة قطوف من ثمار التوت الحمراء، حين تضرب الشمس أشعتها ترى حبّات التوت متلألئة كأنّها عقد من الياقوت، تتشابك فروعها كدعاء صاعد من قلوب المتيّمات، أو قبلة على الشفاه، كلّ غصن فيها يدعوك همسًا لتشارك الشجرة لحظتها والغوص بين أوراقها وقطف ما تقدر عليه من حبّات اللؤلؤ الأحمر، شجرة التوت تلك لم يكن لها مثيل في كلّ حواكير قريتنا.
ما إن تطأ عتبة بيتنا حتّى تقابلك شجرة التوت مرحِّبة، تتمايل أغصانها مع نسائم الصيف وكأنّها الحارس الأمين على بيتنا الصغير المتواضع، لم يزرنا أحد إلّا ووقف مأخوذًا مشدوها بسحرها، خضرتها لا تعرف الذبول، ثمرها كالعسل مذاقًا، بلون الدم القاني، وبحجم يكاد يضاهي حبّات البرقوق، لكنّه في قلبه ظلّ توتًا، نابضًا بحياة الأرض.
كبرنا... وظلّت الشجرة على عهدها، تمدّ لنا ظلالها كلّما ضاقت بنا الدنيا، وتمنحنا توتها كأنّها تقول: ما زلت هنا، واقفة لأمُدّ هذا البيت بأسرار الجمال، حول جذعها لعبنا، وتحت أغصانها بكينا أوّل خسارة، وكتبنا أوّل أسرارنا على أوراقها الخضراء.
أراد أبي أن يوسّع بيتنا وكان لا بدّ من اقتلاع شجرة التوت من مكانها ليتسنّى له زيادة بعض الغرف إلى البيت، وقفتُ عند شبّاك الغرفة، أراقب اقتلاع قلب من جسده كأنّني أراقب مشهد إعدام، لم تكن مجرّد شجرة تُقتلع الآن... بل ذاكرة وطفولة وقلب كبير ترعرعنا وإيّاه.
سقط أوّل غصن وارتجف قلبي. تناثر التراب، وتكوّمت الأغصان النديّة، أردت أن أصرخ أو أبكي، لكنّ الصوت انحبس في صدري، كأنّ الشجرة سرقت صوتي معها في لحظة السقوط. كنت أتسلّق شجرة التوت بخفّةٍ، وأقطف أجمل حبّاتها المتمركزة في أعالي الأغصان، كنت أضع السلّم وأعتلي الشجرة بخفّة القرود حاملة السلّة، ولا أنزل إلّا بعد ملئها بتلك الحبّات القانية، كنت معتدّةً بشغفي الطفوليّ وتسلُّقِ الشجرة العنيدة، ولم يستطع أحدٌ من أخوتي مباراتي في تسلُّقِها؟
بعد أن انتهى كلّ شيء، بدا صحن الدار خاليًا، باردًا، بلا روح. كانت الشجرة تُظلّلنا، تملأ المكان بصوت حفيفها، وحمرة ثمرها. والآن، لم يبقَ سوى بقايا جذع مقطوع وجُرح في الأرض.
في الليل، تسلّلتُ إلى الحوش، جلستُ على الأرض حيث كانت تقف الشجرة العنيدة، وضعتُ راحتي فوق التراب كأنّني أتحسّس نبضها، سمعت همس التراب الخافت، "أنا ما زلت مولعًا بذكراها".
كبرت ولا شيء أزاح من وجداني شجرة التوت وغارسها، كبرت ولا زالت تلك الطفلة تسكنني في عشق سرمديّ داخلها! كبرت وما زال يسكنني الوجد المشتعل في كانون الحطب المتّقد في كانون الأوّل والثاني، حين كنّا العائلة والجيران نتحلّق حوله، لنستشعر الدفء جانب شجرة التوت التي تشعّ ضوءًا في المكان. وحدها الأشياء الجميلة تأخذني إلى العالم الذي لم أملك معه شيئا، ولا أملك تذكرة سفر إليه ولا أستطيع أن آتيه شيئا.
ما أصعب صراخ الداخل حين يصمت! وما أمرّ الحسرات حين لا تجد طريقها إلى الكلام! لم أكن مدركةً حجم ارتباطي بتلك الشجرة حتّى اقتُلِعت، كأنّ جذورها لم تكن ضاربة في الأرض فحسب، بل مغروسة في قلبي. حزنّا جميعًا، لكنّ حزني كان أشدّ وأعمق.
حاول أبي أن يُخفّف وطأة الغياب، فغرس شجرة توت أخرى في أطراف الحاكورة جوار أشجار التين والليمون والبرتقال، كأنّما يعوّضنا تعويضًا أخضرَ عمّا خسرناه. لكنّها لم تعمّر طويلًا، كأنّها رفضت أن تحلّ محلّ الأصل، أو كأنّها شعرت أنّها الأصل، فلا يمكن أن تكون بديلًا.
ودّعت طفولتي البريئة الشقيّة، تلك الطفلة التي كانت تتسلّق الأغصان وتضحك في وجه الريح، وشدَدْت الرحال إلى مرحلة أكثر نضجا وأقلّ شقاوة.
كبرت، لكن في داخلي طفلة لا تزال تبحث عن ظلّ شجرة، وعن سلّة ملأى بالتوت، وعن أرض لم تُقتلع منها الذاكرة.
ظلّت شجرة التوت عالقة في وجداني منذ طفولتي وحتّى يومي هذا، عندما تزوّجت طلبت من أبي أن يغرس لي شجرتي توت وتين في حديقة منزلي الصغيرة، لبّى طلبي على الفور، فهو رحمه الله مفتون بالغرس والزرع والتقليم، غرس لي شجرتيْن متقابلتيْن، ويا لعظمة ما غرس، فشجرة التين أطلقت لنفسها العنان وكبرت بسرعة غير متوقّعة، أمّا شجرة التوت التي أكنّ لها كلّ العشق امتشقت قامتها بتؤدة وكبرياء، لكن لم نتذوّق ثمرها لأنّنا عزمنا على إضافة شرفة على بيتنا الصغير الذي كدنا نختنق به، بعد أن اتّسعت عائلتي وكبرت، اضطررنا لاقتلاع شجرتي التين والتوت. وما أشبه هذا اليوم بالبارحة، لكنّني قد أدمنت هذا الحزن، فبات وكأنّه حدث سيمرّ وسيأتي يوم وأغرس فيه الأشجار المثمرة، وكأنّني أستدعي الجذور من غيابها.
شيّدنا الشرفة المطلّة على حديقة بيتي الصغير، ورصفنا مكان شجرتي التوت والتين بالإسمنت ولم يتبقّ لهما أثر إلّا في الوجدان والذاكرة، وما أحوجني وأقربني إلى العودة لتلك الأطلال الحمراء الساكنة في الروح والوجدان.
اليوم وبعد مرور أكثر من ربع قرن على اقتلاع شجرتي التين والتوت، دهشت لأنّهما خرجتا من تحت الإسمنت، شجرتا توت وتين خضراوتان، تباهيان الأفق والوجود.
ما أسعدني بقوّتهما الصلبة، شجرتا والدي ومضة تشعّ في الوجود كي يستعيد اللاوجود وجوده، ومن قال إنّ المقبرة هي آخر العالم؟!
رائحة الجذور تفوح في كلّ مكان. مات أبي ولم تنقطع الرائحة.
الأرض تتنفّس أبي.
