
قصة قصيرة/ الدّم والسّياج
سميرة كنعان خلايلة
صرخت بصوت عالٍ من قحف رأسها: في حدا هون من مجد الكروم؟
اقتربت الطفلة الصغيرة من السياج الشائك الممتد على الحدود الفلسطينية اللبنانية وقالت للمرأة التي تقف في الطرف الآخر للسياج: أنا من مجد الكروم.
مدّت المرأة يدها عبر السياج، تحسّست يد الطفلة بلطف وحب وانفعال. اخبريني يا صغيرتي ما اسم عائلتك؟
تمتمت الصغيرة بكلمات لم تسمعها المرأة، فكرّرت سؤالها.
أجابت الصغيرة انا من دار سرّيس.
والسّريس هي الشّجرة الشّاهدة على مأساة ذلك الجيل، الشّجرة التي لم تجفّ دموعها طيلة الخمسين عامًا الماضية، رغم ندرتها في الغابات الجليلية التي سلختها "الكيرنكييمت "عن أصالتها. فعائلة السنديان والبلوطيّات كانت من ضحايا التّطهير والإبادة هي الأخرى.
_ وين اهلك ايتها الطفلة الجميلة
_ هم في أعلى التّلّ، تركتهم بين حشود الناس المتجمهرة عند طرف السياج.
_ اذهبي سريعا واحضري اهلك الى هنا، قولي لهم هنالك امرأة مجدلاوية تريد التعرف اليكم.
ركضت صغيرتي نحوي مشدوهة:
_ هنالك امرأة في الطرف الاخر للسياج من قريتنا تريد ان تتحدث معكم.
نزلنا مسرعين الى المكان الذي اصطحبتنا اليه صغيرتي، حيث تقاطرت الحشود في أمواج صاخبة على جانبي السياج دون موعد، فالتوقيت هو البحث عن رائحة السنديان والبلوط والزعتر في الجانب الأخر من الحياة.
وحال وصولنا التمعت شهبٌ في عينيها، وعينايَّ كانت أرضًا تتلقّف شهبها اللّامعة، رأيتها تمسك بالسياج دامية اليدين، دمٌ قفز من الذّاكرة كذلك، وكما يتردّد في حديثنا، تحرّك الدّم في دورته العضوية، فكأننا سبحنا في فُلكٍ أزمانًا من الحرمان، وقد جاء أوان الائتلاف.
يلوح لي وجه عمتي من بين قوافل الامل لشدّة التأثر، تيقنت إنها ابنة خالي وابنة عمتي المولودة في مخيم الشقاء في لبنان، عندما لجأ والداها بعد نكبة 1948، رغم السياج الشائك ووخزاته اللعينة، انقضت مسافات الحرمان في لحظة عناق صائتة، وحالة وجد لم آلفها في حياتي. إنّه الألم المجبول بسعادة متأسيّة على أزمان وأمكنة ومخيّلة لذاكرة الأحبّة المغيّبين، وكيف لا أحبهم وأمي أجهضت جنيها الأول وهي مسندة رأسها على رجل أخيها وهو يمسد خصلات شعرها، حتى يحررها من الألم، فحبهم عشعش/ نُقِش في القلب، والحنين للقياهم أمل يخفف أسى الامس، لم تتوقف امي عن قص تلك الحكايا حتى حين كبرنا، وكنا مأخوذين بتلك بحكايا طفولة امي واخوتها المفعمة بالروح.
جموع الناس المحتشدة جاءوا بقوافل التاريخ القادم وصولا الى ما تبقى من جغرافيا الروح وتضاريس وامنية، أتت مشحونة بحلمها وحلم والديها على اجنحة الخيال لتتنسم عبير وطن عاش داخلها، بين وطن مسلوب وأسلاك شائكة وطرق وعرة اجتازت المسافات لتبرأ من الوجع وإن كان لسويعات قليلة.
قطعت ابنة خالي أميالا من اللهفة قادمة من طرف اللجوء البعيد في مخيم الرشيدية حال سماعها خبر انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان وذيوع خبر اللقاءات عبر السياج الشائك بين القلب المشطور على ضفتّي الحدود. قادمةً من قاع الوجع، من ازقة المخيم أسيرة الدمعة واللهفة والانتظار، من موطئ القهر والعذاب والتعتير، من الحصار الكبير والألم الكبير والمضنى والشظف المرّ، داست على الاشواك التي وخزتها بكل جانب في جسمها لكنها وصلت الحدود دونما ألم فمن لسعت روحه جدران الزيتون، صيفا، وقطرات الماء شتاءً لن يأبه للأشواك في مسعاه الى رائحة السنديان والبلوط، فهي لم تكن تحتاج في مرورها هذا سوى القليل من الأمل لتلملم شظايا القلب، وتواصل الطريق الى فلسطين، علها تصادف أحدا يأخذها الى حيث مرمى الأحلام البعيدة، الى الحب المطبوع في القلب والى اللقاء المُصادر عبر أقبية الزمن، وكم غدر بنا هذا الزمان، وكم .
هناك، ليس بعيدًا من الحدود، عذابات تئنّ وتبكي، وهم هم المتعبون أبد الدهر، القابعون في سراديب اللجوء طويلا، الجانحون للتهجير كثيرا، الذين يروون حكاية تهجيرهم، جوعهم وبأسهم.
بكت ابنة خالي، وتوسّلت جنديا من "الفلاشا" ان يسمح لها بالعبور الى الاهل في النصف الآخر من القلب، حيث مرمى الحُلم والمخيّلة المتجسّدة واقعًا صادمًا.
بكيت لحالها، بكيت لحالنا، بكيت حينما رايت ذلك الشيخ التسعيني يسجد ارضا ويزحف تحت السياج يقبل ثرى البلاد، فينهره ذلك الجندي المدجّج ببندقيته وكذبة شعبه، تراجع الشيخ تحت وطأة صراخ الجنديّ القادم الينا من مدن السّراب، دفن وجعًا في طيّاته الكثير من النشيج والحسرة! وقال متمتما الله يلعن اللي كان السبب.. ثم شكر ربه الذي أتاح له فرصة تقبيل هذا الثّرى قبل لحظة الوداع.
اما تلك العجوز والتي اظنها قد تجاوزت الثمانين عاما فقدمت تتكأ على عكازها بيدها اليمنى وعلى ابنتها من الجهة الأخرى، سألت العجوز شابا يقف خلف السياج جانبنا.
_ كيف الخالصة يما؟
_ الخالصة خلصت يا حجة، الله يرحمها.
تطاير الشرار من عيون تلك العجوز ارغت وازبدت، زمجرت وهمهمت ثم انفجر صوت العكاز ولكمت ذلك الشاب لكمة قوية، التفتت ابنتها اليها دون اعتراض ونظرت كأنها نظرة إطراء
_ يا خوف قلبي
_ لوحي يا يما بالعكاز، واضربي كل مين خان وانحاز، عكازك يما علمنا عكازك أكبر استاز.
شعر الشاب انه أصاب تلك العجوز بمقتل، فلم يجرؤ على التذمر جراء تلك اللكمة، وكأن لسان حاله يقول: "استحق"
حكايا السياج لم تنته، فهي كثيرة على امتداد الجغرافيا والتاريخ. لم أفوّت تفصيلًا صغيرًا في تلك الدّقائق المحمولة من نسائم الفردوس. توالت الأسئلة منّي ومنها كزخّات المطر، فتناقلنا أخبار الأهل والأبناء والأحفاد، الأحياء والأموات، دموعنا لم تجفّ، ودمها النازف من يديها بعد معركة مع السّياج الحدوديّ، انطبع على أكفّي، وحمّلتني وصيّة أخيرة قبل ساعة الفراق لن تتّسع اللّغة لتحملها.
انتصارا لدم السياج العالق بين الذاكرة والمكان، عدت إلى السّهل الجنوبيّ في أرض مجد الكروم، الى منطقة أطلقنا عليه اسم "رباع ستي" حيث كان يلوذ خالي إلى مغارة مختبئًا من العساكر قبل الهجيج. وهناك في الموقع ذاته، غرست يديّ في التّراب عميقًا. أخرجتهما بعد دقائق من اللوعة. اختفى الدّم عميقًا في الأرض.
هوامش:
• مجد الكروم هي قرية فلسطينية في شمال فلسطين، اشتهرت بكروم التين والزيتزن والعنب.
• الخالصة هي قرية فلسطينية قريبة من الحدود السوسة هجرت ودمرت عام 1948
• احداث القصة حقيقية حدثت بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان عام 2000.
