
قصة قصيرة/ الهدف
صالح مهدي محمد
المطر يقرع زجاج القاعة، ليضاعف وجوم الصمت الداخلي. وفي المقاعد الخلفية، حيث تكتظّ الصفوف وتتلاصق الأكتاف، تحلّق أهل الحيّ كمعزّين في جنازة الساقية التي نشأوا على خيرها وتغذّت أجيالهم من نبضها. خلف الطاولة الممتدة، جلس أعضاء اللجنة يُجاورون ملفاً أصفر يحمل اسم "مصنع الدباغة"؛ سِفرٌ ثقيل لا يعوزه سوى وثيقة واحدة، يعلم الجميع أن غيابها اليوم يعني دفن القضيّة إلى الأبد.
وقفت سلمى بين الأمهات، تضغط عرائض التواقيع إلى صدرها كدرعٍ يحمي طفولة الحيّ بأكملها. وإلى جوارها كريم، يُغالب شحوب السهر، قابضاً على تقارير طبية كادت تقتطع قُوته. هدى تقلب أوراقها بوجوم، فيما يزرع ماجد قامته عند الباب؛ بنظرة نجارٍ خبِر التمييز بين الخشب الصلب وما نخر فيه السوس.
تلا رئيس اللجنة الخلاصة بلهجة صقيعية:
— "لا أدلة قاطعة تُدين المصنع."
جاب القاعةَ صمتٌ كَدِر، يشبه ركود المياه الملوثة في مجرى الساقية.
تداعت الخواطر في لحظة؛ رأى كريم زرقة السعال في وجوه الأطفال، واستعادت سلمى المقاعد الخاوية في صفها الدراسي. هدى سمعت مجدداً حشرجة الصوت المحذّر عبر الهاتف داعياً إياها لمهادنة الخسران، بينما لمس ماجد بأصابعه غبار زجاج متجره المهشم... رسالةٌ لم تستهدف الواجهة، بل كسر الإرادة.
بدأت أيدي اللجنة بلملمة الأوراق.
وفجأة... انفتح الباب.
وَلَج نبيل يجرّ خطواته المترددة، تاركاً أثراً مبتلاً على البلاط. لم يمعن النظر في الوجوه؛ تقدم بثباتٍ نحو الطاولة، واستلّ من حقيبته محضراً مختوماً ألقاه بصرامةٍ هادئة:
— "هذا يُثبت علمهم بالتسريب منذ عام... وامتناعهم عن الفعل."
لم ينتظر استجابة، ولم يُهرق مزيداً من الكلمات. قفل راجعاً وغادر، تاركاً الباب موارباً، كأنه يدرك أن الحقيقة أوسع من أن تُغلق عليها قاعة.
تداعى هدوء اللجنة إلى ارتباكٍ مفاجئ. تسارعت حركة الأيدي المرتجفة بين الصفحات، وانطفأ الاطمئنان عن الوجوه. وبعد همسٍ ومداولاتٍ خاطفة، أُعلن القرار: إيقاف خط التصريف الملوث، وإحالة الملف إلى التحقيق الرسمي.
سار الجمعُ في طريق العودة تحت المطر ذاته، لكن الرؤية كانت قد اختلفت. لا هتاف، ولا تصفيق؛ فالقلوب تعرف أن شُموخ المصنع لم يتداعَ بعد، وأن المعركة أطول من سطرٍ في قرار.
مرّت أشهر. عادت الساقية تجري رقراقة للمرة الأولى منذ دهر. وقفت سلمى على الضفة، ترقب طفلين يغترفان الماء بكفوفهما الضاحكة. حينها فقط، أدركت أن بعض المعارك لا تُقاس بحجم الهزائم، بل بقداسة ما يعود إلى الحياة.
