
مواسم الانتظار ليوسف أبو الفوز: الإنسان في مواجهة الخوف
سعد عزيز دحام
ليست كل رواية تتناول مرحلة سياسية مضطربة تنجح في أن تتحول إلى عمل أدبي باقٍ.
فكثير من الروايات تقع في أسر الحدث، فتغلب عليها الوثيقة، أو يطغى عليها الخطاب الأيديولوجي، فتفقد شيئاً من روح الفن.
أما رواية (مواسم الانتظار) ـ المدى بغداد 2022 ــ للكاتب العراقي يوسف أبو الفوز، فإنها تنتمي إلى ذلك النوع من الأعمال التي استطاعت أن تجعل من التاريخ مادة للإبداع، ومن التجربة السياسية مدخلاً إلى سؤال إنساني كبير: كيف يستطيع الإنسان أن يحافظ على كرامته وهو يواجه الخوف؟
تمتد الرواية على أكثر من خمسمئة صفحة، لكنها لا تبدو معنية بسرد الوقائع بقدر عنايتها بتشريح النفس البشرية تحت وطأة القمع. فالخوف ليس مجرد إحساس عابر، بل هو الشخصية الخفية التي تتحرك بين الصفحات، تراقب الجميع، وتضعهم أمام امتحان أخلاقي عسير.
ولهذا لا يقدم يوسف أبو الفوز شخصياته بوصفها نماذج مثالية، وإنما باعتبارها بشراً يحملون نقاط القوة والضعف معاً، ويصارعون أسئلتهم الداخلية قبل أن يصارعوا جلاديهم.
تتجسد هذه الرؤية في شخصية فواز آل تركي، الذي لا يقدمه الكاتب باعتباره بطلاً خارقاً، بل إنساناً اختار الحرية طريقاً، رغم معرفته بثمنها الباهظ.
عبارته: (لا تخشَ الموت، والأفضل أن تلاقيه برأس مرفوع) لا تبدو دعوة إلى تمجيد الموت، وإنما إعلاناً عن أن الكرامة الإنسانية تظل أعلى من الخوف.
ولهذا يتحول فواز إلى رمز يتجاوز حدود الشخصية الروائية، ليغدو ضميراً حياً يرافق الأجيال اللاحقة.
ومن هنا تأتي أهمية شخصية فوزي، التي تبدو امتداداً طبيعياً لفواز.
فالرواية تؤكد أن الأفكار لا تموت برحيل أصحابها، بل تنتقل من جيل إلى آخر. إن فوزي لا يقلد فواز، بل يحمل روحه، ويخوض امتحانه الخاص في مواجهة آلة القمع، ليبرهن أن البطولة ليست صفة فردية، وإنما قيمة قابلة للتوارث حين تتجذر في الضمير.
ولا يكتفي يوسف أبو الفوز بتقديم البطولة في صورتها الذكورية التقليدية، بل يمنح المرأة مساحة إنسانية لافتة. فـزهوة، بحبها العميق لفواز، تجسد قيمة الوفاء التي لا تتناقض مع الالتزام الأخلاقي حين تقول إنها ستظل تحبه، لكنها لن تلتقيه بعد أن أصبحت زوجة لرجل آخر.
وفي هذه الشخصية يستعيد الكاتب منظومة القيم الريفية التي تجعل الوفاء موقفاً أخلاقياً قبل أن يكون عاطفة.
كما تبرز أم حامدة، ومعها نساء ورجال بسطاء خاطروا بحياتهم لإيواء المطاردين، بوصفهم أبطالاً مجهولين.
فالرواية تؤكد أن التاريخ لا يصنعه القادة وحدهم، وإنما يصنعه أيضا أولئك الذين يفتحون أبواب بيوتهم للملاحقين، ويقاسمونهم الخبز والخوف والمصير. هنا تصبح المقاومة فعلاً جماعياً، لا بطولة فردية.
ومن الجوانب اللافتة في الرواية حضور المونولوج الداخلي، حيث يطرح الكاتب أسئلة موجعة: هل يستطيع الإنسان أن يصمد إلى النهاية؟ وهل يملك ضمانا بألا ينهار تحت التعذيب؟ هذه الأسئلة تمنح الرواية بعدها الإنساني، لأنها ترفض تقسيم الناس إلى أبطال وخونة، وتكشف أن الضعف والبطولة كلاهما جزء من الطبيعة البشرية، وأن التفوق الأخلاقي يكمن في مقاومة الانكسار، لا في الادعاء بعدم الشعور به.
كما يحسن يوسف أبو الفوز توظيف الإحالات الثقافية، ولا سيما استدعاء تجربة المناضل التشيكي يوليوس فوتشيك، الذي ألهم أجيالاً من المناضلين بإيمانه بأن الدفاع عن الحياة العادلة يستحق التضحية.
غير أن الكاتب لا يجعل هذه المرجعيات شعارات، بل يدمجها في نسيج السرد، فتبدو جزءاً من وعي الشخصيات وتكوينها الفكري.
لقد نجح يوسف أبو الفوز في أن يكتب رواية لا تؤرخ لمرحلة من تاريخ العراق فحسب، بل تؤرخ لقدرة الإنسان على التمسك بإنسانيته في أكثر اللحظات قسوة. ولذلك فإن (مواسم الانتظار) ليست رواية عن السجون أو المطاردات أو القمع السياسي فقط، بل هي رواية عن الإنسان حين يواجه خوفه، وحين يكتشف أن الحرية تبدأ من الداخل قبل أن تتحقق في الواقع.
إنها رواية تؤكد أن الانتظار ليس استسلاماً، بل إيمانٌ بأن للمواسم القاسية نهاية، وأن الشعوب التي تحفظ ذاكرتها، وتحمي قيمها، قادرة على أن تصنع مواسمها الأجمل مهما طال الليل.
*نشر في "الطريق الثقافي" العدد 183 يوم 12 آب/ أغسطس 2026
