للذهاب الى صفحة الكاتب   

قصيدة/ أحاديث القمر

سعيد إبراهيم زعلوك

 

سكن الليل..

وفاض النور

وتدلى القمر المسحور

يتفقد عشاق الأرض

يصغي لحكايا الناس..

ويكتبها فوق السور

 

رأيت الشاعر يشكو للقمر:

"يا حبر النجم ويا سهري

خذ من عيني قصائدها

وامزج أنوارك بالفكر

أنا من صاغك أغنية

فاجعل يا لوحي من درر"

فأجاب القمر بنظرته:

"أنت المعنى.. أنت أثري"

 

ومن بعيد، كانت باكية تقول:

"للمنفى في صدري حكايا

خذلوا قلبي.. تركوا روحي

تبكي في كل الزوايا

هل يلمح محبوبي نورك؟

هل يذكر عهد المرايا؟"

فرمي فوق يديها ضوءا

قال: "أنا كل الهدايا"

 

وفي السكون، مالت أم بلا سند:

ترعى الأطفال، وتهمس:

"يا قمرا في العالي

أسرج لي نورا للغد

فقديد العمر مضى عني

وأنا حيرى من الكمد"

فحنا القمر على الرأس

ومسح دمعا عن ولد

 

وههنا، كان طيف يغترب:

يرنو إلى الأفق البعيد

يقول: "يا قمر المدينة، هل ترى

بيتي القديم؟ هناك عيد؟

هل أمي تبكي غربتي؟

هل صار قلبي كالحديد؟"

فأنار كل طريقه

وبدا كأن له صعيد

 

وتوارت خلف النافذة خجلى:

تلك الموعودة بالهوى.. تهمس:

"يا قمري الغالي

بلغه أني لم أزل

أهواه رغم مسافتي

وعلى طيفي رسم الأمل"

فتبسم وجه القمر لها

وأضاء الدرب بلا ملل

 

وفي عتمة الغرف المنسية، ألم يغرس نصاله:

حيث العين تعبت، والروح تقول:

"يا قمر، أراك بلا وجع

هل لي من نورك إطلالة؟

تشفي روحي.. تطرد خوفي"

فأنار السقف وأمثاله

وحنا كطبيب يرقبه

ومحا بالرحمة أعلاله

 

ومن خلف قضبان الحصن، وقف المقيد:

يرنو للقرص الدائر في أفق يعلو، ويقول:

"رأيتك حرا يا قمري.. فلماذا لم أكن؟

أبلغ أهلي أني حي.. وعلى عهدي لم أخن"

فأضاء القمر له القيدا

كي يبصر فجر المرتهن

 

وعلى سقف الكوخ، تمدد طفل يحلم:

بجوار أبيه، والأب يرفع صوته:

"ليس لدينا قوت أو نور

لكن ضياءك يكفينا

عن كل موائد أهل الدور"

فتلألأ وجه القمر لهم

وغدا كالتاج على المستور

 

وفي الدرب الواعر، كان ماش يثقله همه:

يقول للمدى: "أنا السائر عبثا

يا قمر، أنر لي درب خطاي

فغدي خوف لا أحمله"

فمشى القمر كدليل له

يهديه.. والنور يظلله

وصغير قد جلس يعزف بالرسم:

يرجع في الدفتر أما رحلت، ويسأل:

"يا قمر هل تسكن أمي في حضنك؟

هل تبدو ظلا له؟ قل لي أين المأوى؟"

فأحاط النور الطفل كله

وبدا القمر كأب حان

يمحو عن عينيه العلة

 

وعلى الحد المنسي، سهر سلاح وبطل:

يحمي أرض الوطن، وينادي:

"شرفي أن أسهر في هذا الكفن

يا قمر، أنر لي ساحتنا

كي أطرد أشباح الفتن"

فأعاد القمر له ألقا

وبدا كذراع للبدن

 

ثم مشى صوب الموج الثائر:

يمتص عن الصخر غضب الماء، فيشكو اليم:

"يا صاحب، جزري كم تعبه

أنا أحمل أسرار الغرقى

والقلب يضيق بما كتبه"

فألقى القمر سكينته

ليصير الموج له عتبه

 

وعلى الضفاف، جرى همس عذب:

سأل الجاري بلا حبس:

"أنا الدافق دوما للبحر

لكني أعشق أنوارك

تختال كعرس في نفسي"

فأفاض القمر عذوبته

وبدا كالخاتم في المغرس

 

ودنا البدر لأكمام نامت أعينها:

في روض غاف، قالت شقائقه:

"يا نورا رقت ألسنته

أتراك ترى شوقي ليلا؟

فعبيري الوجد يلونه"

فرمي طلا فوق الأوراق

 

وأضاء العطر ويسكنه

وتمدد فوق السجاد الأخضر:

حيث عشب الوادي يناجيه:

"يا غيث النور لحرماني

غازل بسناك روابينا

كي تصحو فينا الألحان"

فارتاح القمر على بساطها

ومحا بالضوء رؤى الأحزان

 

وتهادى فوق البيداء الممتدة:

يسكب فضته في الرمل، فتشكو الفلاة:

"أنا لوح الصمت بلا فصل

خذني لسمائك يا أملي

واغسل هجري بعد المحل"

فأنار كثيب روابيها

وغدت تزهو بعد العذل

 

وفي عرض الليل، كان قارب يمخر:

صياد يرقب الرزق، ويرجو:

"مدادك يا قمري

يهدي الأسماك لأعماقه"

فتبسم وجه البدر له

ومشى نورا فوق الماء

كي يملأ بالخير شباكا

ويعود برزق الأبناء

 

وأطل على سفر مفتوح، يقرأ فيه عقل:

يتأمل ذا حجر ويسأل حيرانا:

"أراك هنا رمزا لتحول أزمان

هل أنت بلاغ يا قمري؟

أم أنت خيال الحيران؟"

فأضاء النور له صفحة

ترشده ليقين الإيمان

 

وأخيرا، حط النور على أعتاب خريف العمر:

حيث جلس من يعد الذكريات، ويقول:

"الأيام مضت عني.. وشبابي غاب.. وما وصلوا

يا قمر الأمس، أراك كما كنت.. ونحن لنا الأجل"

فحنا القمر بلمسته

وبدا كصديق يبتهل

 

مع من؟..

ومع من؟..

يا قمر!

أنت المرآة لمن سهروا

تستقبل آهات البشر

تطوي الحكايا.. وتنتظر

تبقى الصديق لكل نفس

وتصب الضوء إذا انكسروا!

 

سعيد إبراهيم زعلوك