للذهاب الى صفحة الكاتب   

وجهة نظر

أسئلة الشعر: مقالات في الفهم والتأويل (26)

الشعر في أفق الفلسفة

صالح مهدي محمد

 

ينشأ التماس بين الشعر والفلسفة في منطقة بالغة التركيب؛ حين تساءل القصيدة الوجود والإنسان والزمن والموت والحرية، دون أن تتحول إلى درس تقريري أو صياغة منطقية للبراهين. إن الفلسفة تبني الفكرة، تفحص مقدماتها، وتفتش عن المفهوم المكتمل لضبط حدوده، بينما يستلقط الشعر الفكرة في طور تكونها الأول، ليمنحها جسدًا حسيًا وصورة تتحرك بحرية داخل النص بدلاً من محاصرتها بالتعريف.

عندما تلج الفكرة أرض الشعر، تتخلى عن صرامة المفهوم لصالح مرونة الاستعارة؛ فيتحول الموت إلى أثر غياب على رصيف، والزمن إلى حركة، والحرية إلى طريق، والاغتراب إلى غرفة مقفرة، والوعي إلى مرآة، والحقيقة إلى سؤال يتشقق كلما دنونا منه. تكمن القوة الهائلة للصورة الشعرية في كونها الوسيط الأصيل بين الفكر والإحساس؛ فهي لا تكتفي بنقل المفهوم، بل تجسده حسيًا حين تجعل النسيان مدينة تمحو أسماء شوارعها كل صباح، فينتقل القارئ من معالجة الفكرة ذهنيًا إلى عيشها كواقع ملموس.

لا يكمن العمق الفلسفي للنص في حشد المصطلحات المجردة كالعدم والماهية والوجود، إذ يُفضي الاستخدام المباشر لهذه المفردات إلى جفاف القصيدة وتحويلها إلى وسيط شكلي للفكرة. الخطر الأكبر يبدأ لحظة تراجع اللغة والإيقاع والإحساس لصالح الغاية الفكرية المجردة؛ فالشعر يقتضي الاتساع العصي على الاختصار. وتظهر الأصالة الفنية عندما تصبح الفكرة جزءًا عضويًا كامنًا في النسيج الشعري، ينبع منها السؤال الفلسفي من قلب الصورة لا ملصقًا عليها من الخارج، لتتحول الفلسفة إلى خلفية غير مرئية تُعمق الرؤية وتتجاوز مجرد الوصف المباشر للمظاهر.

يتشارك المجالان في الانطلاق من نقطة السؤال، غير أنهما يفترقان في مآلاته؛ فبينما تسعى الفلسفة إلى بناء مسار معرفي يُفضي إلى إجابة أو صياغة دقيقة للمشكلة، يُبقي الشعر السؤال مفتوحًا ليمنحه حياة أطول من الجواب. الشاعر لا يطمح لتقديم حلول نهائية للموت أو الحب أو الزمن، بل يسعى لتكثيف حضور هذه القضايا في وعي المتلقي، ليتلقى الفكرة عبر الإحساس أولاً، في تجربة تتجاوز التأثر المباشر بالأفكار الفلسفية إلى التفاعل الإبداعي الذي يعيد إنتاجها داخل عالمه الخاص.

يمتد هذا التفاعل ليجعل من أشياء الحياة العادية - ككوب ماء أو طريق أو باب مغلق - مدخلاً لاستكشاف أبعاد الزمن والوجود والحرية، حيث ترى القصيدة في الأشياء احتمالاتها الخفية. ومع ذلك، تبقى الخصوصية الجمالية للشعر متميزة عن المنطق الفلسفي؛ فالقصيدة لا تتطلب إثباتًا منطقيًا، ولا يُستدعى البحث عن مشروع فلسفي في كل نص. تكمن القيمة الفنية الحقيقية في الصياغة التي تُفكر دون أن تتحول إلى خطاب، وتستفز العقل والمخيلة معًا، محتفظة بالشرارة الأولى للتفكير: الدهشة.

تظل المسافة الفاصلة بينهما مساحة خصبة تمنح فيها الفلسفةُ السؤالَ عمقَهُ، بينما يمنحه الشعرُ جسدَهُ الحسي؛ لتقف القصيدة في تلك المنطقة الإبداعية التي يلتقي فيها التفكير بالدهشة، والمفهوم بالصورة، ليفكر النص في الوجود دون أن يفقد إنسانيته، ويذهب بعيدًا في التأمل دون أن يغادر أرض الشعر.