
قصيدة/ مات حيًّا
صالح مهدي محمد
لم يَعُدْ الموتُ ما يخيفُه،
بل هذا النبضُ
الذي يواصلُ الدقَّ
في صدرٍ صار قفصًا فارغًا.
مشى بيننا كظلٍّ يحمل جسدًا،
يبتسمُ كما اعْتادَ،
يُصافحُ كما يُملى عليه،
ويعودُ كلَّ مساءٍ
إلى غرفةٍ صامتةٍ نَسِيَتْ أصداءَ صوته.
قالوا: "ما زال بيننا"،
وهم لا يعرفون
أن الغيابَ أحيانًا يقفُ منتصبًا،
يشربُ قهوتَه،
ويُجيبُ حين يُنادى.
كان يَعُدُّ خطواتِه
ليُقنعَ نفسَه أنَّ شيئًا فيه
لم يتوقف بعد.
في عينيه بحرٌ جَفَّ،
وعلى شفتيه كلماتٌ ميتةٌ
تولدُ كلَّ صباحٍ
لتموتَ مع المساء،
كأنَّ الحياةَ لديه طقسٌ مكرَّرٌ
لا معنى يُعاش.
أحبَّ مرّةً،
فانطفأ القنديلُ
الذي كان يُشعلُ فيه فكرةَ البقاء.
سَقَطَ مرّةً،
فَأَتْقَنَ أن يمشي
على خطِّ الهاوية
دون أن يسقطَ،
ودون أن ينجو.
هكذا يكونُ المرءُ:
جثةً تُطعم،
وقلبًا يُوهَمُ أنه ينبض،
وذاكرةً تتقن التمثيلَ
أمام مرآةٍ
لم تعد تعكس أحدا.
مات—
لا في لحظةٍ واحدة،
بل في كلِّ دمعةٍ
حَبَسَها
حين كان يجبُ أن يبكي.
ومع ذلك...
ظلَّ يُدعى إلى الأعراس،
ويُهنَّأُ في الأعياد،
ويُسأل: "كيف حالك؟"
فيجيب، كما تجيبُ الجدران:
"بخير."
مات حيًّا...
وما زال يواصلُ هذا الموت.
