قراءة نقديّة لنصّ "سيهطل المطر" لجميلة مزرعاني

د. مرشدة جاويش

 

سيهطلُ المطر

أُمّاه..

لا تستوحشي الغياب

إن اختفى عن مسمعك رنين الخطى

أو سكنَ بالدّعاء همس الشّفاه

لا تجزعي من ظلام

حيث لا أنيس ولا تلاوة قرآن

إهنئي برقادك

ولو خلا الضّريحُ من أطواق الورد

أو تلاشى عن أنفك أريج العطر

ها قد ابتعدنا مرغمين

لكنّ أرواحنا هناك

على قبرك تنثرُ الياسمين

القرية يا أمّاه..

لطيمة..ثكلى

تفتقرُ لأنفاسِ قاطنيها

ما بقيَ غير نعيقِ الغربان

وطرابين أيبسها الجفاف

الدّروبُ يا أمّي باتتْ حزينة

تتوقُ لجلبةِ عابريها

كغابةٍ مقفرة

إلّا من دخانٍ كثيف

يحجبُ الجمال

وأصواتٍ تهزُّ الدّعائم

تدكُّ الدِّيار

تُقْصي نازحيها إلى مصيرٍ غامض

أمّاه.. قرّي عينًا

وإن طالتْ بيننا المسافات

عمّا قريب يهطلُ المطر

يغسلُ الدُّنى من دَنَس

ونعودُ إليكِ على متنِ الشّغف

نُشْعلُ قبركِ بالقُبَل والحنين

وآياتٍ من الذِّكْرِ الحكيم

 

جميلة مزرعاني

لبنان الجنوب

ريحانة العرب  ٢٧/٨/٢٠٢٦

 

قراءة نقديّة بقلم د. مرشدة جاويش

لروحها الرحمة والسلام

تنسجين في هذا النص مرثية اغتراب تتجاوز فاجعة الفقد المباشر لتدمج بين فاجعة اقتلاع الذات من ترابها الأمهي وبين اغتصاب الجغرافيا

 صانعةً حالة من البكاء الرفيع الذي يزاوج بين قدسية قبر الأم وحرمة الأرض المتروكة قسراً

تتحرك البنائية من التداعي الوجداني الأول بحيث تبدئين بتجريد الضريح من مظاهره المادية المعتادة (أطواق الورد- أريج العطر- رنين الخطى) لتستبدلي بها نثراً روحياً خالصاً من الياسمين المعنوي الذي تطوف به الأرواح حول التراب ويتجلى التكثيف المنهجي في التحول السريع للعدسة السردية من عتمة القبر الفردي إلى عتمة (القرية الثكلى) فتستحيل جغرافيا الجنوب اللبناني المعذبة بطلةً موازية في النص

 تأن تحت نعيق الغربان وشحوب الطرقات المقفرة والدخان الذي يدك الديار ليقضي على الهوية والسكينة

وتبلغ البلاغة النقدية أوجها في مفارقة القفلة التي تمنح النص أفقاً للمقاومة والرجاء فالمطر المرتقب ليس مجرد ظاهرة طبيعية تروي أيبس الطرابين لكنه رمزيّة تطهيرية حاسمة تكنس (دنس) العدوان والشتات وتصنع جسراً للعودة على متن الشغف لتقبيل التراب وإعادة إحياء الطقوس المقبورة

نص يفيض بالشجن الجنوبي الأصيل ينزع عن الاقتلاع سكونه الجبري ويحيل الغياب إلى تأهب واثق للعودة

أ. Jamila Mazraani سلم حسك ونبرة حرفك اللافتة بجماليتها وبكل مساراتها

 

تعليق: جميلة مزرعاني

مرشدة جاويش طاب يومكم بالخير والسلامة أستاذة مرشدة الغالية سعادة كبيرة أحظى بقراءة نقدية بقلمك الماسي

سيهطل المطر. شعور تولّد من قهر..هنالك حيث ترعرعتْ أمّي وأحبّتْ ودرجتْ تناغي الأرض. الشجر والورد وكل بدائع الخالق هنالك وُريت الثرى يرتاح جسدها في باطنه وكنّا نقصدها نروي شغفنا محمّلين بباقات الورد أليست هي عاشقة الورد؟ نتلو على قبرها آيات من الذكر الحكيم فإذا يكسر جزءا من الفقد ويعيدنا منتصبي القامات كأننا ولدنا من جديد. فقد خسرنا هذا الشعور بسبب النزوح عن أرض الطهر لكن القلوب لم تغادر .وكأن معاناة الفقد برافدين

فقدها لرنين خطانا  وفقدنا لزيارة تعني لنا الكثير. ويبقى الأمل بسطوع شمس التحرّر والعودة نسكب على قبرها رحيق محبتنا وأريج القلوب... رحم الله موتاكم أجمعين د. مرشدة. وباقات محبة وتقدير لقامة أدبية أعتزّ بقراءتها وبصمتها الرائعة  

مع خالص الشكر والتقدير وفائق المودة