
الأدب الرشيد.. البردوني نموذجاً!
النتاج الأدبي بين خيارات الدولة الاستبدادية وتفاهات السوق والانزواء برضى النخبة؟!
هايل علي المذابي
صنعاء: اليمن
مأزق الأدب والشعر في العصر الحديث: إرضاء النخبة أم إرضاء الدولة الاستبدادية أم إرضاء الجماهير؟!
ما من أدب أو فن إلا وأمامه خيارين الأول هو إرضاء النخبة والآخر هو إرضاء الجماهير، وصاحب الأول إذا تحقق له رضى النخبة نال حظه في الدرس الأكاديمي ودراسات النقاد والثاني حين يتحقق رضى الجماهير عن عمله وهو في العادة عمل ينحاز للغة الشعبية العامية وأفكار البسطاء السطحية عادة والمستهلكة كثيرا وعلى الرغم من ذلك إلا أنه بسبب رضى الجماهير يصبح ضمن قائمة اقتصاديات السوق الأكثر طلبا والأكثر مبيعاً وفي المسرح يستدل بمقولة شائعة كثيرا للبرهنة على جودة العمل المسرحي مهما بدى سطحيا وتافها وهي "شباك التذاكر لا يكذب"...
وأما في عملية الإنتاج الترجمي فإن المعايير التي تحكمها تختلف قليلا عن السياق السابق فنجد مثلا أن إرضاء النخبة يتمثل في إرضاء استبدادية الحاكم وثقافته، مثلاً، اتهم ابن المقفع بالزندقة والشعوبية حين قام بترجمة عدد من الأعمال محتواها الثقافي مغاير للمعتقدات السائدة في الثقافة العربية وانتهى الأمر بإعدامه والخروج عن سياق النتاج الترجمي الذي يخدم الدولة المستبدة يعني الإنصراف عن انتاج ترجمي حر يقدس الأفكار ويحترم الإنسان ويخدم حريته وكرامته ولا يلتفت لغير ذلك مهما بدا متواطئا مع النص الأصلي وثقافته التي ينتمي إليها أو محرضا ضد الاستبداد منتصرا للإنسانية والعدل والمساواة والحرية وهو بهذا ينصرف نحو الإسفاف والسطحية في نتاجه ليرضي الجماهير ويلقى حظه في قائمة اقتصاديات السوق المحكوم بالتفاهة عادة فإرضاء الجماهير يكون دائما على حساب الجودة الفكرية والثقافية للمنتج.
أما النوع الثالث وهو ما يجب أن نطمح ونصبو دائمًا إلى تحققه لإنتشال الجماهير من وحل الاسفاف والتفاهات والنتاج المستهلك السطحي والارتقاء بهم إلى ثقافة رفيعة ورفع مستوى الذوق العام من القيعان التي وقع فيها فهو النتاج الترجمي الذي يتميز بقالب خفيف ومفاهيم عالية..
ولو اتخذنا الشعر نموذجاً سنجد أنه على مر الزمن كان على ثلاثة أنواع:
شعر هدفه إرضاء النخبة
وشعر هدفه إرضاء الجمهور..
شعر هدفه إرضاء الحاكم المستبد
الأول يوصف عادة بالشعر الفصيح وهو على عدة أشكال منها المقفى ومنها التفعيلة ومنها الحر أو النثر والحداثة والثاني يطلق على الشعبي والغنائي وهو موزون مقفى والثالث بين هذا وذاك.
الأول يحظى بتناوله في الدرس الأكاديمي والاشتغالات النقدية حيث يعتمد على تشبعه بالمكونات الداخلية للجنس الأدبي والثاني مستبعد في العادة من الدرس الأكاديمي والاشتغالات النقدية كونه يسعى لارضاء الجماهير دون الاهتمام بالمكونات الداخلية للجنس الأدبي.
أبلغ وأجود الشعر ما استحسنه الخاصة واستساغه العامة وهذا ما يتفق عليه معظم النقاد منذ عصر الجاحظ وحتى اليوم وقلة قليلة فقط من استطاعوا التوفيق بين النوعين ولعل الظاهرة الشعرية البردونية قد بلغت هذه المنزلة وحققت الشرطين في نوعي الشعر فحظي شعره برضى الجماهير وباشتغالات النقاد والدراسات الأكاديمية في آن دون السقوط في السطحية أو السعي لارضاء النخبة.
كل قصائد البردوني تؤكد ما نذهب إليه، إنها تمثل يمكن أن اسميه "الأدب الرشيد" والأدب الرشيد أعرفه بأنه الأدب القادر على إرضاء الجمهور دون اسفاف وارضاء النخبة دون تعالٍ وتطرف في المثالية ولكنه أيضاً لا يذهب الى إرضاء الحاكم المستبد، أي خفيف القالب ثقيل الموازين والمفاهيم؛ وكمثال اخترت قصيدة "جواب العصور"، وربما هي مناسبة أيضاً ان اذكر أن في هذه القصيدة يذكر البردوني يحيى المذابي وهو عمي يحيى رحمه الله يقول:
" قيل بالأمس قضيْتَ (المَقْطري)
بالذي أقْرضني (يحيى المَذابي)".
وهذه القصيدة كاملة:
مالذي تبتاعُ يا (زيد الوصابي) هل
هنا سوقٌ سوى هذا المرابي؟
يدخل السوقان سوقاً، يمتطي
(باب موسى) ركبتيْ (سوق الجنابي)
ورق العملات يعدو مثلما
تهرب الحيّات من ضيق المخابي
يسقط المُغْرى على المغري كما
يستحمُّ الطين في الطين المذاب
لا أرى (الشرشفَ والعِقدَ) على
قامة (العُسبان) مدعاةَ اعتجابي
هكذا قُلْ، إنما لاتقترح
عن هُدى التمييز أن أُبدي متابي
سوف تلقى سبَّهُم، ياليتهم
أحسنوا أحدوثةً حتى سِبابي
كلَّ يومٍ لاتَرى ما ترتضي
ثمَّ تغضي آبياً أو غير آبي
****
ذاك يا أُمي يناجي ثانياً
وَهْوَ يمشي وحدهُ، يُدعى اكتئابي
لاتَلُفُّ امرأةً نظرتُهُ مثلَهمْ،
يبدو نبيّاً أو دُعابي
هاأنا أسمعتُ حيَّين فلو
صحتُ هل يستوقف السوق اصطخابي؟
قل لماذا جئتَ يا زيدُ إلى
هذه الأنقاض؟ أجتُّر خرابي
****
الريالاتُ التي تملِكُها لاتفي
قرصاً وإبريقاً (رُصابي)
عدّها، عَدَّيتُـها الآن هنا
عند هذا السوق مَنْ يُحصي رَغابي؟
أعْلِنُ الحربَ عليه في الذي
كان أحنى منه، كسَّرتُ حِرابي
****
كنتُ في عصر البراءات بلا
درهم أهنى طعامي وشرابي
في متاه (الشنفرى) أذهلني
عن نداء الجوف دفعي وانجذابي
قلت: ياصحرا خذي جمجتي
فأجابت: هاك ليلي وذئابي
***
تحت بند الفتح أرضعت المنى
أرخت الريح يديها لاحتلابي
صرت عند (اليعفري) منتدباً
للمهمات التي فوق انتدابي
***
همت في أيام (فيضي) مفلساً وبفلس أشتري ملء وطابي
جئت هذا العصر أحدو جثتي لا أرى لوني، ولا شم ملابي
***
أين يا أرض الذي تطوينه تحت نهديك؟ أشميت اضطرابي؟
في ثمانينات هذا القرن لا أنضجت شمسي، ولا جادت سحابي
إن تكن بعض حنيني فاحتمل ساعة عن ساعدي بعض قبابي
ما الذي يازيد قالت؟ أوثقت سرها الباكي إلى قعر انتحابي
أشتهي الآن غداء موجزاً حزمة صغرى من (القات الرحابي)
بعض تبغ، ومقيلاً لا أرى فيه وجهاً بين وجهي وصحابي
هل لديك الآن مايكفي، ولا نصف ما يكفي، ولا كف لعابي
إستدن من (مرتضى)، لاحظتهُ لامني حين تقاضاني (الحَبابي)
قيل بالأمس قضيْتَ (المَقْطري) بالذي أقْرضني (يحيى المَذابي)
جرِّب اليوم (هُدى) عندي لها خمسةٌ أخرى ومخطوط (العِنابي)
قلتُ زيدي خَمسةً، قالت أبي كان أيام (الصليحييِّن) جابي
قلتُ هل هذا تراثي؟ ضحكَت وأضافت وتُراثي واكتسابي
****
يا (وصابي) والدي يحتلُّني وجهُهُ مِن داخلي يُرخي حجابي
كلّما مرّيتُ قالوا: بنتُ مَنْ مَنْ أبوها؟ عنْبَسيٌّ، بل شَوابي
ياطريق البيت، هذا اسمي هدى مَنْ هدى؟ يابنت شعسان الرَّبابي
أنت يازيد الذي أشكيتَها بل شَكَتْ مأساة أختي واغترابي
****
ذاك بنكٌ، كلُّ بنكٍ قال لي: في أكُفِّ المصرف الدولي
رِقابي ربح دَيني وحدَهُ يربو على دِيَتي، مَنْ سيبتاع استلابي؟
****
كم تريد اليوم، يازيد اقتصدْ عِشْرُ ألفٍ بعض مايُطفي التهابي
بع كتاباً، خمسةً، من يشتري أضحت البيضة أغلى من كتابي
خُطَّ عنواناً، وعد (قطباً) به... من يحبُّ الشعب يأبى أن يحابي
مثل (كُتَّاب الزوايا) قُل وكلْ لزواياهم جفان كالجوابي
كلهم متربة مثلي، سوى أنني متربة غير ترابي
****
إنني أبدع مني عالماً لاتُلاقي فيه محبوّاً وحابي
ليس فيه أيُّ محكومٍ، ولا أيُّ حكمٍ عسكري أو نيابي
انتبه يازيد قفْ، سيارةٌ
المنايا والمُنى أحلى كعابي
خُنتني يازيد كم أضعفتني مذُّ تخيرت من المهد اصطحابي
****
إصعد السيارة، اقعدْ، ههنا لاتخف، ماأنت موضوعَ ارتيابي
أي زيد يافتى تدعو، متى لاتسل أنت، أجب، هذا جوابي
أنت زيد، فمن الثاني، أنا أنت تدعو أنت، دع عنك التغابي
رامَ إنسانُ قميصي مُسعداً فانتضى إنسان قلبي من إهابي
أكما الطفل يناغي نفسهُ كنتَ تحكي؟ كالصِّبا وهم التصابي
لاتخف، من زيدٌ الثاني، أفذ ضدّ هذا المختفي حكم غيابي
أيُّ زيد كنت من أصحابه؟ أو حكوا عنه؟ تكلَّم يا انقلابي
أي زيد أخبروا عنه؟ ولو قبل عشرٍ، ليت إلماحي شهابي
ياأخي، أذكر زيداً ثالثاً فاستمع صدقي، وفكّر في كذابي
****
جاء في «الأحزاب» من أخباره خيرُ توضيح وتلميح خطابي؟
كان حزبياً، صدقت الآن، قل أين ألقاه، فقد أعيي طلابي
هاك ألفين وحدد بيته من ربى التاريخ في أعلى الروابي
في (فتوح الشام) يثوي قائلاً: ردّ لي أزكي أب أصل انتسابي
إنه من (شام همدان) وما في رباه صعبة تثني ركابي
حسناً نوّرتني، فاذهب وكن ألف مجنون، فقد هدأت مابي
****
ماالذي أعثرني اليوم عليّ ذلك العاتي، تبدّى في ارتقابي
من زحام المشترى والمشتري جاءني مني ومن فوق احتسابي
قلت يازيد إليه، شاهراً قلب قلبي، رامياً خلفي قرابي
قُربه اركبني، أركبته منكب التأريخ، واختار انتخابي
علّه اليوم يمسِّي حميراً أو يبغِّي سبأ، من أنت، سابي؟
أو على (عمرو بن معد) يعتدي فيلاقيه بسيفٍ غير ناب
أو يحثُّ (الأشتر): الآن اعترف أنت زيد ياأخا الجُرد الكوابي
ربما يسطو على (موسى الرضا) أو إلى الإعدام يقتاد (عُرابي)
أو على (الصابي) يوشي تهمة أنت زيد في سجل الحزب صابي
وسيعزو كل ما يعتاده من حماقات إلى مرمى صوابي
****
ولعلي واهمٌ أحسبه ينبش التأريخ عن خصم سرابي
هل ذرعت الدهر عنه يا أنا وهو في مكتبه يطهو عقابي؟
يوم لاقاني دنا مُستنطقاً لونَ نبعي، وإلى أين انصبابي
****
قد ألاقيه غداً أو بعده مستعيراً مذهبي، وجه ذهابي
واقفاً بين ضميري وفمي قائلاً مالم يقل ريقي لنابي
****
عله في داره الآن على حضن أختين، كشيطان غرابي
يحتسي من كف باريسية أو فلبينية أو بنت (فابي)
****
عله في السجن يشوي كاتباً أو يعشي كلبه أي نقابي
أو بذاك الركن، يحصي دخله: ذا حساب المرتجى، هذا حسابي
****
كيف أعطي نصف كسبي آمري وهو ما كان قسيمي في عذابي
باسم أمن الأمر، أحوي ثروتي باسم ماذا، ينهب الأمر انتهابي؟
****
لست يازيد الوصابي كفؤة بل أقاويه لكي يقوى غلابي
ابتعد عنه قليلاً، نصفه ظهر بعدي، نصفه وجه اقترابي
لا أغطي عنه وجهي، إن يكن غسقياً، فأنا ليت ضبابي
لا أعادي شخصه بل وصفه فهو من أرضي كأشواك شعابي
****
كيف زاد الشوك يا أرض على حجمه: غذته من لحمي هضابي
علميني: قل لمن لا تجتني من نباتي سوف يجنيك احتطابي
****
من أرى، من قلت غررت به لست أخشى ذلك الوجه الذبابي
إنني من قلبه أقرأه وهو يتلو عن فمي صمت عتابي
****
كم أصابتك قواه؟ قل وكم علمتني كيف اجتاز مصابي
قيل عنه، قال من أمنت من جانبي أنبحت حوليه كلابي
فليكن، يبتز عني قشرتي أين من أيدي ضواريه لبابي
****
لست تدري مكره، أحمله مثلما احمل تبغي وثقابي
إنه يقدر أن ينزعني من مباتي، وله علم إيابي
إنه يعرف زواري، وكم طوب بيتي، ومتى أغلق بابي
عنده كل بيوت الناس، بل عنده عنوان قبري من شبابي
****
لا أماري أنه أقوى، فما باله يخشى وقوفي وانسيابي
إنه والٍ بلا شعبية وأنا داعية غير مجاب
فلماذا يتقي صوتي، كما يتقي صمتي وإمكان انسرابي
ألأني عفت رأسي مالئاً من رؤوس الفيلق التركي جرابي
أو لأني حين مادت (صيرة)
من عباب البحر أطلقت عبابي
أو لأن الخائرين انسحبوا
يوم (نجران) وقاتلت انسحابي
****
لاتخف يا زيد شيئاً، ومتى
خفت، أو قيل رأى الهول اجتنابي
جبت عصراً بعد عصر وأنا
أنت، مازلت أنا ذاك الوصابي
ديسمبر 1989م
الذكرى_٢٧_لرحيل_البردوني
----
هايل علي المذابي
صنعاء- ٢٠٢١
