للذهاب الى صفحة الكاتب   

أوراق القلب (1)

يوم جمعنا اللقاء أول مرة

صالح مهدي محمد

 

ما كانت عيناك نافذتين، بل بابين انشقّا على مصراعيهما دفعة واحدة، فدخل القلب من غير استئذان.

في تلك اللحظة، ارتجّ الزمن كما يرتجّ وترٌ نُقر للمرة الأولى بعد صمتٍ طويل. لم يكن اهتزازًا في الصدر وحده، بل زلزالًا خفيًّا أعاد صياغة الأشياء التي ظننتها ثابتة: اسمي، خطواتي، حتى هواء الغرفة الذي صار فجأة يحمل رائحتك قبل أن تقتربي.

نظرتِ، فاهتزّ قلبٌ. نظرتُ، فاهتزّ قلبٌ آخر. وبين الاهتزازين، وُلدت لغة لا تحتاج إلى حروف، لغة العيون حين تقول ما يعجز اللسان عن قوله، وما تخشى الكلمات أن تُفسده بالنطق.

ثم ابتعدنا. أبعدَتنا الجغرافيا، أو الخجل، أو الحكمة التي تأتي متأخرة دائمًا. لكن القلبين، وهما لا يعرفان القياس ولا المسافة، تعانقا من بعيد. كيف؟ كما يتعانق ضفتا نهرٍ لم يلتقيا قط، لكن الماء الجاري بينهما يحمل من هذه الضفة ذرّةً إلى تلك، ومن تلك ذرّةً إلى هذه، حتى يصيرا نهرًا واحدًا وإن ظلّا ضفتين.

هكذا كنّا: جسدان في مكانين، وقلبٌ واحدٌ يتقاسم النبض بينهما، كمن يقتسم رغيفًا لا يشبع أحدهما إلا إذا جاع الآخر معه بالقدر نفسه.

أكتب إليك اليوم لا لأخبرك بما حدث، فأنتِ تعرفينه كما أعرفه، بل لأشهد أن اللقاء الأول لم يكن بداية قصة، بل كان القصة كلها مطويّة في لحظة، كما تُطوى شجرة كاملة في بذرة، وكما يُطوى بحرٌ كامل في دمعة.

منذ ذلك اليوم، صرتُ أحمل مسافتك في داخلي، لا كغياب، بل كحضورٍ من نوعٍ آخر حضورٌ لا تحدّه الجدران، ولا يُلغيه البعد، لأن بعض القلوب لا تلتقي لتتّحد، بل تتّحد لتكتشف أنها التقت منذ الأزل.