للذهاب الى صفحة الكاتب   

أبناء ذلك الرحيل/ قصة قصيرة

صالح مهدي محمد

 

لم يلتفت حين خرج من المدينة.

بدت ملامح المساء تنزل ببطء، والبيوت خلفه تضيء نوافذها واحدة بعد أخرى، تشي بأنها تقول له إن الحياة لا تتوقف عند أحد، وإن مغادرة المكان لا تعني مغادرة الألم.

مشى دون اتجاه واضح، كمن يجرّ خلفه شيئًا لا يُرى، شيء أثقل من الطريق نفسه.

 

منذ طفولته ظل صوت خافت لا يغادره، يظهر في كل مرة ضاق العالم في صدره:

ليس كل ما يغادر يختفي.

لم يفهمه يومًا، إلا أنه ظل يمشي على إيقاعه.

عند أطراف المدينة، جلس تحت شجرة وحيدة.

 

رفع رأسه، فوجد الأغصان تتحرك في الأعلى، بينما ظلها على الأرض ثابتًا كأنه فقد علاقته بما يحدث فوقه.

تمتم:

ـ حتى الظلال لم تعد متفقة مع نفسها.

جاء صوت من خلفه:

ـ ليست الظلال من اختلّت.

التفت بسرعة.

كان رجلًا يقف غير بعيد.

يحمل بعض ملامحه، لكن في حضوره شيء مألوف، كأنه يعرفه منذ زمن لا يتذكره.

قال:

ـ من أنت؟

تقدم الرجل خطوة واحدة:

ـ لست غريبًا عنك كما تظن.

ـ لم أفهم.

ـ أنا ابن أبيك.

صمت.

لم تكن الصدمة في الكلمات فقط، بل في الطريقة التي انفتحت بها فجأة مساحة كاملة من عمره كان يظنها مغلقة.

 

قال ببطء:

ـ هذا مستحيل… أبي لم يكن لديه غيري.

ابتسم الرجل ابتسامة قصيرة:

ـ هذا ما قيل لك فقط.

جلس الرجل غير بعيد عنه دون استئذان، كأن المسافة بينهما ليست اختيارًا.

قال:

ـ أنا لا أطلب تصديقك الآن. أطلب فقط أن تسمع.

ـ لماذا الآن؟

ـ لأنك خرجت من المكان الذي كان يخبئك عن الحقيقة.

 

سكت قليلًا، ثم أضاف:

ـ وأنا خرجت من المكان الذي كان يخبئني عنها أيضًا.

 

نظر إليه:

ـ متى عرفت؟

ـ عندما رأيتك.

ـ رأيتني؟

 

أومأ:

ـ كنت أعرف عنك منذ سنوات. كنت أراك من بعيد أحيانًا… لكنني لم أكن أريد الاقتراب.

ـ لماذا؟

ـ لأنك كنت “الابن الوحيد” في كل شيء… إلا في الحقيقة.

 

مرّ صمت ثقيل بينهما.

قال الرجل:

ـ أتعرف ما الذي يجعلنا متشابهين فعلًا؟

 

لم يجب.

 

أكمل:

ـ ليس الوجه… بل الانتظار.

 

رفع رأسه:

ـ أي انتظار؟

 

ـ انتظار رجل كان يأتي ثم يختفي، ويترك كل مرة نسخة جديدة من الغياب.

 

تغير صوته:

ـ أبيك لم يتركك وحدك فقط… تركني أنا أيضًا.

تراجع قليلًا، كأن الجملة لمست مكانًا قديمًا داخله.

قال:

ـ كيف؟

 

أجابه:

ـ كنت أصغر منك بسنوات. من أم أخرى.

كان يأتي أحيانًا، قليل الكلام، كثير الوعود.

ثم في يوم ما… لم يعد يأتي.

 

سكت لحظة، ثم أضاف:

ـ وأنا كنت أنتظره كما كنت تنتظره.

 

شعر بشيء ينكسر في داخله، لكن بلا صوت.

قال:

ـ لم يقل لي شيئًا عنك أبدًا.

ضحك الرجل ضحكة قصيرة :

ـ لم يقل لأحد شيئًا عن أحد.

ثم نظر إليه:

ـ هذا ما يفعله بعض الرجال… يتركون خلفهم عائلتين ولا يتركون تفسيرًا واحدًا.

 

مرّت لحظات صمت طويلة.

قال بصوت منخفض:

ـ كنت أكرهه… أحيانًا.

 

أجابه:

ـ وأنا أيضًا.

ـ وهل توقفت؟

ـ لا.

 

ثم أضاف بعد لحظة:

ـ لكن الكراهية وحدها لا تشرح لماذا لا ننساه.

 

أخرج الرجل ورقة مطوية من جيبه.

ـ هذه رسالة منه.

توقف.

ـ عندي واحدة أيضًا.

 

نظر إليه الرجل:

ـ لم أفتحها.

ـ وأنا كذلك.

 

قال:

ـ كأننا كنا نخاف أن تكون الحقيقة واحدة.

فتحا الرسالتين معًا.

لم يكن هناك ما يختلف كثيرًا.

كل واحدة تحمل الجملة نفسها تقريبًا:

 “لم أكن أملك الشجاعة الكافية للبقاء.”

 

أغلق عينيه لحظة.

قال الرجل:

ـ لم يكن شجاعًا… لكنه كان يعرف كيف يهرب بطريقة مرتبة.

ردّ:

ـ وترتيب الهروب لا يخفف أثره.

سكتا.

 

ثم قال:

ـ ماذا نحن الآن بالنسبة له؟

أجابه الرجل بهدوء:

ـ لا شيء.

ـ ماذا تقصد؟

ـ نحن الدليل على أنه لم يكن حياة واحدة فقط.

 

صمت طويل.

ثم قال:

ـ هل هذا يجعلنا أشقاء؟

 

أجاب:

ـ يجعلنا أبناء نفس الغياب… أكثر مما يجعلنا أبناء نفس الرجل.

نهض الرجل ببطء.

قال:

ـ لا أريد شيئًا منه الآن.

ـ وأنا أيضًا.

ـ إذن لماذا التقينا؟

نظر إليه لحظة:

ـ كي نعرف أن كل واحد منا لم يكن يتحدث إلى فراغه وحده.

 

بدأ بالابتعاد.

قال له بصوت خافت:

ـ هل سنلتقي مرة أخرى؟

لم يلتفت:

ـ لا أظن.

ـ لماذا؟

ـ لأننا التقينا في المكان الوحيد الذي يجمعنا…

حين لم يعد له وجود ليجمعنا.

 

بقي وحده.

نظر إلى الرسالة في يده.

ثم إلى الطريق.

ثم إلى المدينة البعيدة.

لم تعد المدينة تبدو كما كانت حين خرج منها.

ولا هو بقي كما كان قبل هذا اللقاء.

وقف طويلًا.

ثم مشى.

ولأول مرة لم يكن يسير هاربًا من شيء…

بل يسير ومعه شيء آخر يشبهه.

شيء اسمه: الأخ الذي لم يكن يعرف أنه كان موجودًا.