
أوراق القلب (3)- اشتياقٌ للبعد
صالح مهدي محمد
أكتب إليكِ من جهةٍ يظلّ فيها القلب معلّقًا باسمكِ، من مساحةٍ يتردّد فيها حضوركِ كصوتٍ يعرف طريقه إلى الروح. صار الاشتياق وقتًا يتباطأ، وليلًا يتمدّد، وكل لحظةٍ تحمل ملامحكِ من بعيد.
أشتاقكِ كما يشتاق الضوء نافذةً تُفتح له، وكما يشتاق العطرُ زهرةً تمنحه سرّه. أبحث عنكِ في التفاصيل الصغيرة: في كوبٍ تركتِه نصف ممتلئ، في ظلٍّ مرّ على الجدار وترك وراءه فراغًا يشبهكِ، في أغنيةٍ تتعثّر عند المقطع الذي يحمل شيئًا من صوتكِ. وكلما حسبتُ أنني اقتربت، تمدّدت المسافة بيننا قليلًا، حتى صارت المسافة نفسها جزءًا من حضوركِ.
تسكنينني بطريقةٍ تجعل وحدتي ممتلئة بكِ. أراكِ في داخلي أقرب من يدي، وأشعر بكِ في الجهات التي يعجز عنها الوصول. يربكني هذا القرب البعيد؛ فأنتِ في القلب كأنكِ وطنٌ صغير، وفي الطريق كأنكِ موعدٌ مؤجّل. حضوركِ يملأ المسافة، والمسافة تمنح حضوركِ معنى آخر.
أحدّثكِ في داخلي كثيرًا. أرتّب لكِ كلماتٍ تتوالد كلما تذكرتكِ، وأعيد رسم لحظاتٍ عشتها معكِ في الذاكرة، فأمنحها وقتًا أطول وهدوءًا أعمق ووضوحًا يليق بما أشعر به. أحيانًا أخشى أن تمضي الأيام سريعًا قبل أن أخبركِ بحجم الحب الذي تركتِه في قلبي، وبالثقل الجميل الذي يصنعه حضوركِ في داخلي.
لو كان للاشتياق شكلٌ، لكان طريقًا طويلًا ينتهي عندكِ. ولو كان له صوتٌ، لكان اسمي حين تنادينني. وأنا بين الطريق والصوت، أتعلم الانتظار، وأتعلم كيف يحافظ القلب على نافذةٍ مفتوحة نحو من يحب.
فإن وصلت إليكِ هذه الرسالة، فخذي منها قلبًا ترك جزءًا من نبضه عندكِ. خذي منها ليلًا طويلًا امتلأ باسمكِ، وطريقًا ظلّ يبحث عن خطاكِ، وكلماتٍ وجدت طريقها إليكِ بعدما عجزت المسافات عن احتواء الشوق.
أراكِ أقرب من كل الجهات، وأشتاقكِ بقدر ما يتّسع له القلب من حب، وبقدر ما تستطيع الروح أن تحمل من انتظار.
