للذهاب الى صفحة الكاتب   

عندما يكتب المكان ذاكرته.. قراءة في رواية علي احسان الكناني

ورقة نقابة

حسين باجي الغزي

 

 لم أعرف الروائي علي احسان الكناني منذ مدة بعيدة، لكنني عرفته ذات يوم عندما مر مسرعا كعادته امام محلنا المتواضع في شارع الحبوبي. كان سلامه هادئاً، وابتسامته تحمل أحياناً شيئاً من خصوصية شخصيته، وكأن وراء ذلك الحضور البسيط حكايات كثيرة لم تُروَ بعد.

ومن تلك المعرفة العابرة وعبر مواقع التواصل ايضا، بدأت صورة الكاتب تتشكل في ذاكرتي؛ إنساناً قريباً من الناس، يلتقط من تفاصيل الحياة اليومية ما قد لا ننتبه إليه، ثم يعيد تشكيله بالكلمة والحكاية.

 

ولعل الاقتراب من روايته «الليلة الثانية بعد الألف» يكشف جانباً من هذا العالم الذي يختلط فيه الماضي بالحاضر، والتجربة الشخصية بأسئلة الإنسان الازلية.

اذ تُطالعنا الأدبيات العراقية المعاصرة بنصوص تحاول الاستجابة لموجات الهجرة والشتات، وقلق الهوية الذاتية حين تنزعج من بيئتها الأم لتهبط في بيئات أوربا الساكنة والمختلفة، كما يتجسد في رواية "الليلة الثانية بعد الألف" للكاتب علي إحسان الكناني (الصادرة عن دار الورشة الثقافية ببغداد، 2025) عبر سرده لتجربة صراع واكتشاف تعيشها شخصية الراوي العراقي (علي) في أقصى الشمال بمدينة أورلاند النرويجية. يستدعي العنوان الشاهق للرواية إرثاً حكائياً شرقياً شمولياً تمثله المدوّنة الخالدة (ألف ليلة وليلة)، إلا أن الكاتب لا يكتفي باستدعاء النص التراثي كزخرف خارجي، بل يجعله محركاً مركزيا للحوار والمكاشفة؛ فالليلة الثانية بعد الألف إشارة متخيلة إلى ما بعد نجاة شهرزاد واستمرارية فعل الحكي بوصفه وسيلة للبقاء وملاذاً من العزلة، ليغدو جسراً يربط بطل الرواية العراقي (علي) بمسؤولية المكتبة النرويجية (أوني أوردال)، حيث أصبحت الحكاية هنا أداة لا لترويض سيف شهريار، بل لترويض "يباب الروح" وبرد الاغتراب في شمال الأرض.

 

تتأسس الرواية تحليلياً على مفارقة مكانية وحضارية حادة بين عالمين: الأول هو عالم الجنوب والشرق المتمثل في العراق، المزدحم بالذاكرة والطين والحرارة وضجيج الأسواق والحكايات الصدامية الممزوجة بالقمع والحروب وأوجاع فقد الأصدقاء، والثاني هو عالم الشمال الأوربي في النرويج، المتسم بالصمت المطبق والجليد والضياع الروحي والرفاه المادي، وقد نجح الراوي في رصد تفاصيل الطبيعة النرويجية من ندف الثلج والشلالات وقفز أسماك السالمون والخلجان الملتوية، محولاً إياها إلى انعكاس لوحة تبرز فيها مكابدات الذات العراقية المقتلعة من جذورها.

 

وهنا تنشأ العلاقة بين الراوي و"أوني أوردال" مسؤولة المكتبة العامة عبر وسيط رمزي هو الكتاب والمجلات، لِتتطور تدريجياً من مجرد خدمات استعارة إلى تقارب إنساني وفكري يعبر جدران الاختلاف الثقافي والديني، حيث تُجري الرواية مراجعة واعية لمفاهيم الاعتقاد من خلال إفصاح (أوني) عن لا دينيتها الموروثة، قابلها الراوي بموقف متفتح وعقلاني، فضلاً عن تقديمه تحليلاً نفسياً لشخصية شهرزاد يرى فيه أن أسلوب الحكي واستغراق ثلاث سنوات يتطابق مع الدورة الطبيعية لإنجاب الأطفال وتعميق رابطة المسؤولية، وهو ما أدهش أوني وأعاد تشكيل رؤيتها للنص الشرقي.

وتتبدى في السرد طبقات نفسية مركبة للراوي العراقي الذي يظهر كإنسان محمل بجراح عاطفية وسياسية سابقة تطفو فيها ذكريات الحب القديم وخيبات التخلي أثناء رحلة الشتات، وهو ما ألقى بظلاله على علاقته بـ"أوني"؛ إذ سرعان ما دفعته اكتشافاته وانطباعاته النفسية إلى ممارسة نقد ذاتي حاد يحذره من الاندفاع والوقوع في وهم التعلق مجدداً، قائلاً لنفسه: "إياك أن تقترب أكثر من الحدود... أنت سومري آتٍ من عمق التاريخ تعشق الطين والماء". حيث الأسئلة الكثيرة بحكم ان الانسان يريد معرفة كل شيء... وما يلفت الانتباه هي النهاية الغريبة عند اعتراف اوني بان هناك قوى غيبية وهي اللا دينية... هناك قوى تخط اقدارنا... حيث تنتهي الرواية بكلمة (البداية) وكان الرواية بدأت بعد انتهاء النص... النهاية المحملة بالاسئلة الحائرة.

 

وختاماً، تعد هذه الرواية نصاً سردياً مكتنزاً بالرؤى الفلسفية والانطباعات الشفافة، استطاع فيه علي إحسان الكناني بلغة واضحة ومحملة بالشجن العراقي والأصالة السومرية أن يقدم معالجة ناعمة وعميقة لموضوع الشتات، وسلطة القراءة والكتب في ترميم الذات، وإمكانية تواصل البشر رغم تباين العوالم بين خطوط العرض البعيدة.