للذهاب الى صفحة الكاتبة   

الجميلات النائمات بين كاواباتا وماركيز

خديجة جعفر

 

 

تعتبر الأدبيات الفلسفية أن أسئلة الحياة والموت من أكثر الأسئلة غموضا على فهم المرء, وربما نكون أقل قدرة على مواجهتها وكشف معانيها . ويحدث أن تمر سنوات العمر محملة بوثائق المُعاش, بجميلها ومآسيها ,لتؤرشَفها الأجساد انتقاص كفاءة تحت مسميات:

"سن التقاعد" او "سن الشيخوخة", حيث تتضاءل مساحة الهدف والمعنى, لا سيما حين تُنذر أجراس التهاوي, مهددة القدرات الحسية والحركية والفكرية, فيعلن الجسد انصياعه اكتفاءاً ثم يدخل منطقة الإنتظار.

 

قد لا يبدو الأمر مستغربا حين تذهب الحكومات لتقر قوانين التقاعد وضمانات الشيخوخة, مبعدة أجسادنا عن الأداء نحو تبعية التلقي إنقاذا للإنتاجية الإقتصادية ليبقى الجدل مرتبطا بأثر هذا الاستبعاد على السلام النفسي للمسن نفسه حين تفرض فاصلا زمنيا يحدد توقيت الإنصياع, فتنصب المشانق إعداما للمواقع والأدوار لأفراد قدمت أفكارها وأجسادها قرابينا للإنتاجية الامر الذي سوف يقسم ظهر الإنسانية تفرقة بين: مؤدٍ ومتلقي, عبءٍ وفاعل, بين تابعٍ وصاحب قرار.. لتضيق مساحة العيش على مسن بات في الواقع متفرغا لقضاياه وطموحاته وانفعالاته الشخصية, وقدأصبح أكثر فهما لذاتيته وأوضح قراءة لهويته في مساحة لا تتسع لهذا الكشف المتأخر. فتتضخم هزيمة يعيشها فكرا وجسدا, ويتفاقم شعوره بألم الإقتلاع القسري عن دائرة حياة حصرته زمنا في مفاهيم الإنتاج على حساب المعنى من الوجود...

 

فإن يكن العالم المحيط قد أعلن تقاعد الجسد عن أداء مهامه, فهل يمكن لهذا العالم أن يحدد السن التقاعدي للمشاعر والانفعالات والطموحات الذاتية للأفراد؟

 

مما لا شك فيه أن مرحلة التقاعد أو الشيخوخة هذه, تلهو في مساحة ضيقة من الخيارات المتاحة, فأما أن ننساق لهذه القطيعة مع ذواتنا حين نغلق الأبواب في وجه  فنون العيش محوا لطموحاتنا وهدرا لدوافع الإستحقاق بانتظار النهايات, وإما أن نعبرها تحديا ممزوجا برغبة عيش أكثر إغراءً في تأكيد وجود ذي معنى وهوية يسهم بالإضافة المجدية لهذا المسار. لتبدأ حكاية التناقض سردها من هنا, من باب الخيارات الضيقة نفسه..

 

بعيدا عن الفروض القانونية, يتناول المستوى الأدبي والفكري جزئية: "الشيخوخة" ويبحث علاقة الربط بين الفرد المسن نفسه وقلق الرغبات والطموحات ومعنى الوجود, بالفردية الأعمق من جمود القوانين. فأتت الرؤى لتختلف فيما بينها, كل من زاويته و وجهة نظره الشخصية.. 

 

شهدت الفترة الممتدة بين سنة (1961) مع نشر رواية "بيت الجميلات النائمات"  للروائي:

"ياسوناري كاواباتا" أحد أبرز الأدباء اليابانيين في القرن العشرين متناولا جزئية الشيخوخة وعلاقة الفرد المسن بمفاهيم: الرغبة والجمال والوحدة والذاكرة, حتى  سنة 2004 حين أصدر الروائي الكولومبي "غابرييل غارسيا ماركيز" روايته بعنوان: "ذاكرة الغانيات الحزينات", بطبعتها العربية ترجمة: "صالح علماني" سنة 2005 عن دار المدى. لتحمل في أحداثها معالجة للموضوع ذاته. ومن الملفت أن تكون الفترة بين الإصدارين طويلة بما يصعب معها التكهن في مجرد تخاطر أفكار بين كاتبين على هذا القدر من الإنتشار والواقعية والتعمق, لتبني اعتبارات التباين في وجهات النظر فيما يخص تفسير كل منهما لجزئية الشيخوخة.

 

 قد لا تبدو الحاجات الإنفعالية والشعورية في حالة عطب أو تعثر من "شيخوخة" تناولها كل من الروائي كاواباتا, في "بيت الجميلات النائمات" والروائي غابرييل غارسيا ماركيز في "ذاكرة الغانيات الحزينات" ليصب التباين في المعنى والتفاعل والأثر من كيانية المسن نفسه.

 

فإن يذهب "كاواباتا" لاعتبار الجميلات النائمات قرب مسن قد حضر إليهن بمحض إرادته, ليشهد آلية التهيؤ من لحظة موت مؤقت يقدمه عرض من أجساد نائمة في خدر تقصد تعطيل الفعاليه الحسية, وجعلها أجسادا مفرغة من وظائفها, فاقدة للصلاحية بتعثر التفاعل, فربما يتجه لترجيح ما للجميلات النائمات من أجساد تؤكد في نومها إعتبار الجسد أداة لإنتاج المتعة إن يمتلك قدراته الحسية, وحين فقدها, قد تمحى عن الجسد وظائفه, فيقع في الحرمان والفقد, وتسقط الأجساد في المقدس, لأنها تحمل خصائص الجثث من موت مرتقب, ما يصر عليه كاواباتا حين يضع قواعده للتعامل مع الجميلات النائمات:

"يجب عدم الإقدام على عمل شيء مناف للذوق", محذرا: "أنه عليك عدم وضع إصبعك في فم المرأة النائمة, ولا محاولة أي شيء مشابه". فيضفى على النوم قدرا من الجلالة والقداسة, ويرسم لغرف نومهن طقوسا كما طقوس الجنائز من الموتى, لا يصح معها إلا التوقف والصمت واستعادة ذاكرة تمجد الماضي وتعدنا للآتي. فالجسد الفاقد الصلاحية نوما, ليس مجرد أداء جنسيا بقدر ما يكون ممرا إلزاميا بين عالمين بتوظيف ذاكرة مستعادة, هو الأداة التي تعدك للتهيؤ والاستعداد إنتقالا الى عالم الموت, وما الذاكرة المستعادة للحظة سعادة أو فرح مستقطع, بغير شاهد إثبات على هذا الموت, حين تفقد الذاكرة  قدرتها على أن تتجدد مع انحسار وظائف الجسد عنه. فالمسن مع كاواباتا يعيش الموت تقسيطا قد يطول أو يقصر أمده, لكنه دوما استعدادا وانتظارا  للإنتصار الأكبر عند الموت.

 

... وان تُوَظف الذاكرة مع كاواباتا لسرقة لحظات متعة مستعادة, يصبح الجسد الجميل المستلقي موتا مؤقتا, مجرد عزاء تقويمي للمسن, وعرضا يعترف بأن كل جمال سوف يزوي ويموت, وكأنما كاواباتا يرى في هذه الأجساد النائمة المخدرة المقتَلعَة إدراكاتها, مجرد عرض مسرحي يعد المتفرج لاستيعاب الفقد, سَكبٌ تدريجي للذاكرة على أبواب الفناء والانحسار, ومتى فرغت جعبة التذكر ,كل شيء سوف يذهب نحو رحلة أبدية, الأمر الذي يخفف عن المسن مشاعر العجز انتظارا للموت المؤكد, فالذاكرة حالة سرقة للفرح من الحزن نفسه, مجرد عربة إسعاف للنقل بين عالم الحياة وعالم الموت, وعي للفقد وللزوال, وما وجودنا كمسنين مقابل جميلات نائمات بغير تعليق لحظوي لهذا الجريان الزمني المنتظر, او محاولة لإبطائه. فالجسد مع كاواباتا مُنتَج جمالي سوف يزول, يستحق الحزن على موته بذاكرة تحاول إحيائه دون جدوى. فمتى فقدت قدرات هذا الجسد فإنك قد سوف تفقد المعنى من وجودك.

 

على العكس تماما, يترك ماركيز بطل روايته مجهول الإسم في المنادى, مستخدما لقب التسعيني على امتداد  السطور, ما يرسخ من مرحلة الشيخوخة تعميما للحالة الإنسانية, تصلح لكل زمان ومكان, معتبرا الشيخوخة المرحلة الأكثر نضجا, والأعمق فهما للذات, المؤهِلة لإحداث التحولات البنائية لغد أكثر شغفا بالحياة. فيسطو المعنى والدور من الجسد باعتباره ترجمة  للأحاسيس وليس منتجها فقط.

 

للجسد النائم مع ماركيز دور وعي تفاعلي, يعدم من النوم خاصية الفقد, يتخذه نموذجا  للبناء ودافعا نحو التجدد والتغيير.

 

أعدم ماركيز الفواصل الزمانية من مراحل الحياة التي يعتبرها قابلة في كل لحظاتها لإمكانية التجدد, واكتشاف المعنى طالما نملك جسدا قادرا على ترجمة ما نشعر به ونطمح تحقيقه. فبطل ماركيز التسعيني, لا يعترف بالعجز من سن الشيخوخة رغم توفر ملامحها, من تشوش التركيز, وخلط القوائم بين الأسماء والوجوه, وحرقة الشرج, إلا أنه يقاوم كل ذلك مستمرا في دوره المهني كصحافي مسؤول عن عمود أسبوعي يشرح من خلاله تفاصيل التسعينية من عمر المرء, ويتشاركها مع جماهير القراء ليحقق مزيداً من حضوره الذاتي المتفرد, يحتفل مع الأصدقاء بذكرى عيد ميلاده التسعين مع ما يحمله الحدث من معنى الإصرار على المتابعة, دونه الإذعان لاستفزازات تعترض مسيرته الواثقة, حين هدية تحمل وقاحة التدخل من إيحاءات التساؤل عن قدراته الجنسية. لا يعترف تسعيني ماركيز بالعجز الجنسي, مقتنعا بأهمية جسد شريك في الأداء, مؤكدا في اختياره حضورا آنيا للذات المقررة, دون ذاكرة تقف عند حدود استعادة المتع السابقة .يتقصد تسعيني ماركيز إهداء نفسه ليلة مع طفلة عذراء, يرفض الطفلة التي تصغره بعشرات السنوات, بجسدها النائم المتكور نفورا في ليلتها الأولى معه, حتى يبدأ جسدها النائم دون وجوب يقظتها تجاوبا عند سرد القصص على نومها, تسمع نبرة صوته, تستجيب لمشاعره بالتكور حين خوف واسترخاءا حين أمان, لكنها أبداً لن تستيقظ, وأبدا لن تنظر الى عينيه, تنصاع تلبية لرغباته فتلبس الأقراط هديته, وتتمنع حين تريد التمنع. فجسد الطفلة العارية النائمة قربه يؤكد منه سخاء الحضور حد البناء للغة جديدة بين نومها ويقظته.

 

لن يتجسد الموت في نوم الأجساد مع ماركيز, بل أنه جسد واعٍ, قابل للتفاعل, قابل للحضور للحلم وللطموح, مستعد ليرسم الغد الأكثر إشراقا, انه الجسد الحي تماما, وما النوم سوى استراحة محارب من مواجهات مشاعر الفقد والفناء, فالموت لا يحضر مقسطا, يأتي دفعة واحدة حين يتوقف الجسد عن المبادرة والتفاعل. فالطفلة العارية النائمة لم تستدع إثارة جنس بقدر إثارة شغف التجربة والاستمرارية. يقرأ على نومها روايات الأدباء, يهديها لوحات رسمتها أمه ومجوهراتها, يشتري لها الهدايا, يحتفل بعيد ميلادها, يحضر جسدها طيعا حينما يطلبه هو, بتوقيت الرغبة وشغف العشق, مؤكدا أهمية الذات منه, حضوره, رغباته, إنفعالاته ورؤاه العشقية. يعشقها وهي نائمة لا يريدها في حالات الصحو, لأنها سوف تبدو أكثر واقعية قد تسترق جزءا من حضوره, لا يريحه سماع صوتها حتى في هذيانات نومها لأن في الصوت تأكيدا على واقعية فتاة أراد بها نموذجا لعشيقات الأحلام او لقداسة العشق بحد ذاته, اختارها طفلة بالتحدي الصارخ  لكل معايير الزوال ليكمل معها حياته المتهاوية عجزا. الجسد مع ماركيز يعيش ويستكمل مهامه منفذا لاراداتنا ومنتجا لطموحاتنا, حتى لو في سن الشيخوخة, قد علم الطفلة القراءة والكتابة حين نوم وثق بأنه نوم قادر على التفاعل, جسد لا يعرف الموت وهو محمل بمشاعر وطموحات, جسد يحمل مشروعات بناء المستقبل فيورث الطفلة المحبوبة كل ما يملك لكأنها رمز لاستمرارية تمتد حتى ما بعد  الموت.

 

الجسد ترجمة للحظة ولادة من غد, فحين فقد محبوبته الطفلة والتي لا يعرف منها غير جسد نائم, تاه بين الوجوه بحثا عن وجهها الذي لا يعرفه حين يقظة, الجسد عند ماركيز حالة حضور, يوجه عشقا من الذات نحو الذات لإحياء حاضر يستحق معنى العيش وليس الانتظار.

 

 تبدو الذاكرة مع ماركيز أبعد من توظيف للحظة مستعادة للحدث بقدر ما تكون خزانا لاختبارات التجدد, يصارع الموت بالبناء, فحين تتغيب معشوقته يهمل هندامه, نظافته, عطره فليس له الآن سببا للإهتمام بالمظاهر لكنه يقاوم حتى لا يفقد المعنى, يصارع هذا التوقف, يبحث عنها, يجدها, يمسك بيدها حذرا ليتابع ما تبقى من أيامه انتظارا يتجدد.. 

 

فان يكن الجسد النائم مع كاواباتا لحظة موت مؤقت ان تتعطل وظائفه الحسية, فإنه مع ماركيز لحظة انتاج للاستمرارية وقوة تحفز البناء. وإن تكن المتع الحسية معنى الحياة مع كاواباتا, تتحدد مع ماركيز قدرة تفاعل وتجدد طموح وانفعال وتخطيط لغد آت, حتى يحين أوان التوقف. يعترف ماركيز بأهمية أن نكون ذواتنا, بأخطائنا وإخفاقاتنا وعملنا ونقصنا واكتمالنا, بمشاعرنا وشغفنا الكامن, على عكس أن يكون المعنى في حالة انتظار الموت ونحن أحياء. لتبدو رواية "ذاكرة الغانيات الحزينات" وجهة نظر تناقض رؤية كاواباتا في تفسيرات المعنى من حياة حتى لو تكن حياة " الشيخوخة"..

 

خديجة جعفر

23- 9- 2026