للذهاب الى صفحة الكاتب   

قصيدة/ لم تزل حبيبتي رغم أننا غادرنا البحر

صالح مهدي محمد

 

لم تزل حبيبتي،

رغم أننا غادرنا البحر،

ورغم أن الموج أغلق خلفنا

دفتره الأزرق،

ومضى

يخفي آثار الذين رحلوا.

لم تزل حبيبتي

حين تلمس الريح نافذتي

أبحث في ارتجاف الستارة

عن يدكِ،

كأنكِ تركتِ أصابعكِ هناك

لتدلّني على الطريق.

أذكر البحر

لا لأننا كنا عاشقين عنده،

بل لأنكِ كنتِ تشبهينه؛

كلما ظننتُ أنني بلغتُ قاعكِ

وجدتُ فيكِ عمقًا آخر

لا يعرفه الضوء.

غادرنا البحر،

لكن شيئًا منه بقي بيننا؛

ملحٌ على الشفاه،

ورطوبةٌ في الذاكرة،

وقاربٌ صغير

كلما حاولنا نسيانه

عاد من جهة الغياب.

أحيانًا

أراكِ في المدن البعيدة

تمشين بلا ظل،

كأن البحر أخذكِ معه

وترك لي صورتكِ فقط.

وأحيانًا

أجلس إلى وحدتي

فأسمع صوت الموج

من قلب الصمت،

وأفهم أن المسافات

لا تُبعد الذين سكنوا فينا،

بل تجعل حضورهم

أكثر وضوحًا.

لم تزل حبيبتي،

لا لأننا لم نفترق،

بل لأن الفراق نفسه

عجز أن يقنع قلبي

بأنكِ امرأةٌ غادرت.

كلما قلتُ: انتهت الحكاية،

فتح البحر نافذةً في داخلي،

ودخلتِ منها

كما كنتِ أول مرة؛

شعرُكِ مبللٌ بالضوء،

وعيناكِ تحملان

ذلك الأفق الذي لا يصل.

لقد غادرنا البحر،

نعم،

لكن البحر لم يغادرنا.

ما زال يسكن المسافة بين اسمينا،

وما زالت يداكِ

تلوّحان من آخر الموج،

وما زلتُ، كلما ابتعدتُ أكثر،

أشعر أنني أقترب منكِ.

لم تزل حبيبتي،

لأن الحب أحيانًا

لا يحتاج إلى لقاء،

يكفيه أن يبقى

مثل بحرٍ بعيد

لا نراه،

لكننا نعرف

أن وراء الأفق

ماءً كثيرًا

يشبه دموعنا.