
قراءة في كتاب: "بورتريه لصيدا, للكاتبة ليلى عساف"
حين نأنس المدن
خديجة جعفر
قد يكتب التاريخ سير القادة والبطولات من المدن, وقد يوثق أحداث التحول بدقة وموضوعية من الأوطان, لكن من سيحكي حكايات الحنين من ألفة العيش بين الأفراد, من سيذكر جهود الحرفيين وجيرة الأحياء التي بنت ذاكرة المدن الشفاهية؟ من سيسرد خسة أبناء تلك المدن نفسها سطوة على أمن تلك المدن واستقرارها؟ وهي سير وحكايات قد لا يعترف بها التاريخ تختفي شيئا فشيئا من تراث لا تتم روايته..
"بورتريه لصيدا" إصدار جديد للكاتبة والرسامة "ليلى عساف" ابنة مدينة صيدا اللبنانية هوى وهوية صيدا, لا يمكن تصنيفه توثيقيا للمدينة رغم ما يتضمنه من بعض احداث وعمران ومحطات تحول. فالكاتبة تذهب الى أبعد من جمود الوثائق التاريخية لتسرد ذاكرة الإنسان من التاريخ, الإنسان الذي تربيه المدن ليسرد حكايات أبنائها, فتتجسد المدينة على شكل أسرة, ليلعب كل من العمران والشوارع والمؤسسات والبيوت دور الفرد المتفاعل الفة وعطاءات متبادلة داخل هذه الأسرة .
رسمت ليلى عساف حدود المدينة بين نهر الكنايات ومدرسة الراهبات ومعبد النبي يحي وشاطئ متوسطي, بحنين طفلة تعدد الغرف من منزل سكنته, وبنت ذاكرتها في كل ركن وزاوية منه, مع كل شخص عرفته وكل ولعبة أغلقت على الوقت فراغاته... فبدت صيدا عروس تزف بعين ليلى عساف, تزينت بكحل بشوارعها وحمرة أبنيتها الاثرية, وتعطرت بزهر بساتينها كما شرعنت زيجتها بآيات معابدها وجوامعها وكنائسها.
تلك العروس المتألقة بحِرف رجالاتها البسيطة, فاتجه التدوين على سرد ذاكرة الحنين الخاصة بابنة المدينة. فلم يعد الصياد, والفران او حفار القبور أو الكندرجي, او بائع عربة الموز او حتى القهوجي وهم يجوبون الأحياء والشوارع القديمة أسماء لقوائم الفقر, بل مقاييس للحب والعطاء المتبادل, لتكريمهم رموزا تختصر صيدا الأسرة أكثر منها صيدا المدينة.
فحين تأخذنا المدنية باتجاه المصانع والمحال التجارية والمؤسسات العالمية والأوتوسترادات, تعيدنا ليلى عساف الى ذاكرة الحنين مع: سرقة البراءة لورد السطوح هدايا لمعلمات مدرسة الكسندرا, إلى أمزجة الهدأة مع القهوجي الذي تكني بمهنته, نستذكر مع ليلى عساف تفاصيل الفرحة من حنة العروس في الحمامات العامة, ولمة العيد في الجوامع, ولقاءات الخيال مع حكواتي المقاهي, نحن إلى طفولة تلهو بما تصنعه الامهات منزليا من العاب, وناسف لضياع فسح البساتين قبل أن يحتلها العمران..
في الاسر أفراد تجمح عن المتفق عليه جماعة, لذا لم تقتصر ذاكرة ليلى عساف امجاد الحب والألفة, بل ذهبت بنا الى حيث ترتكب الجرائم من جيرة الطمع والغدر, فترمى الجثث في الأقبية لتصنع سواتر الرعب, وبرمجة التهور, تذكر ايضا ثغرات الإنسانية حين تموت الأمهات أمام أعين أطفالهم ليظهر "الكشكلي "مرعب الأطفال وسوف لن تنسى هرب الإخوة من الطائفة اليهودية تحت أجنحة الليل في الزوارق المطاطية.
فصيدا الأسرة, محمية القيم بمدارسها بدء من الكسندرا حتى ثانوية البنات, وكل من نشأ في صيدا, يعرف المعنى من شارع رياض الصلح بكثافة مدارسه وورقي وثقافة أساتذته وغنى مكتباته, كما سيعرف تعدد سينماته ومقاهيه ولقاءات مثقفيه.
صيدا الأسرة ولادة الإلفة كما المواطنية, فمنها انطلقت أول شرارة من الحركات الطلابية محملة بـ قضايا ومطالب شعبية ضد سطوة الإستعمار الاقتصادي والسياسي ومناهضة أنظمة الفساد. قدمت قادتها فداء للوحدة والعدالة الاجتماعية.
أرادت لنا ليلى عساف في هذا الاصدار ان نرى المدينة بعينها هي, وليس بعين ذواتنا, اتعبتها حمولة عشق فارادت مشاركتنا, واضعة من فائض حبها قدرا أمام أعيننا, ليس فقط للقراءة, بقدر سعيها المشاركة عيش, لعبنا معها العاب طفولتها, درسنا مع معلميها, غمرت صنادل مياه الحارات الضيقة فبردنا سويا, أكلنا حلوى الأعياد من باب السراي وقطفنا ورود الجد, أخافتنا أقبية البيوت العتيقة مثلما احتمينا بها حين مخاطر حرب, تعاطفنا مع رجالاتها المسافة إلى الشاطئ ثم الى المعتقلات, غمرتنا جدتها بحنان وحلمنا بعودة الأمهات الى أراضيها المحتلة. أبكتنا ليلى عساف قهرا حين فقدنا أساتذة ورفاق درب, ارعبتنا حين ارتعبت من رصاص القنص وقذائف جند عدو, فرحنا لانتصارات شباب وقلقنا على إخوتنا من تقارير المندسين.
تحزننا المدينة بتفكك البنيان من روابطها الأسرية كما حزن ليلى عساف على معاناة الموت البطئ من مدينة يتغير منها "البورتريه" بعد اشتعال الحروب وتغول الرأسمالية وسطوة التكنولوجيا, فتصدر كتابها هذا, ليكون ذاكرة حنين مستعاد من تلك الروابط الصافية ودا, او ربما تخليدا لما قد يزول مع الأيام, وتسعى لأن نتذكر من صيدا مدينة: عدلت ولم تقهر, جمعت ولم تفرق, قاومت ولم تخضع, أحبت ولم تكره.. لا سيما وقد ذيلت الصفحات بالصور الفوتوغرافية وبلوحات خطتها ريشتها تحية إكبار وتخليد حكايات لمجموع الأسماء التي شكلت ذاكرة المدينة.
25 – 9- 2026
خديجة جعفر
