للذهاب الى صفحة الكاتب   

قصيدة/ وطنٌ على معراج الرياح

آدم دانيال هومه

 

كان اللهُ غارقاً في الظلمة الأزلية

وكانت بلادُ الرافدين توقظُ الشمسَ من نومها

وتفتحُ للضوء نافذةً في مسامات التراب.

هناك...

حيث كان النهران يكتبان أسماءهما على ألواح الطين

تعلّم أجدادي أن يُصغوا إلى الأرض

وأن يتركوا للسنابل متّسعاً كي تحلم.

كلما لامستُ ترابها أحسستُ دفءَ أيديهم في يدي

وسمعتُ وقعَ خطاهم في الأزقّة التي غابت

وفي الحقول التي ما زالت تنتظر المطر.

أرتقي معراجَ الرياح حاملاً كفني فوق ظهري

وأسري إلى مضارب الآلهة

أسألها عن بيتٍ كان لنا على ضفّة نهر

وعن بابٍ ظلّ مفتوحاً حتى بعد أن رحل أصحابه.

أقول لها: لماذا يطول الطريقُ إلى الوطن

لماذا يطول الطريقُ إلى الوطن

كلما اقتربنا منه في المنام؟

ولماذا يعرفُ المنفيُّ رائحةَ بيته القديم

من بين روائح مدنٍ لا تُحصى؟

ثم أهبطُ إلى الأرض وفي كفّي حفنةُ طين.

أخبّئها في جيبي

كما يخبّئ طفلٌ مفتاحاً يخشى أن يضيع.

حين أرتكنُ إلى جدار الشعر

أصدحُ بمواويل الأجداد الأُوَل

أسمعُ أصواتهم بين السطور

فتنبتُ السنابلُ في دمي

وتنهضُ من صدري قريةٌ لها شجرٌ وساحةٌ

ووجوهٌ أعرفها بالاسم.

أكتبُ كي أتذكّر صوتَ أمي وهي تناديني

ووقعَ المطر على سقف بيتنا

والدربَ الذي كنّا نسلكه إلى النهر عند المساء.

أكتبُ كي يجدَ العائدون علامةً تدلّهم على الطريق.

وكان لنا حبٌّ يتوهّجُ في لهيب النار.

كنّا نرى في عينيه غداً يكفي الجميع

ونمضي مطمئنّين ولو قلَّ الزادُ وطال السفر.

مضت أعوامٌ كثيرة

صار ذلك الحبُّ صدى تردّده شِعَبُ الذاكرة

غير أنّي كلما سمعتُه التفتُّ إلى الوراء

كأنّ صوتها سيأتيني من آخر الزقاق.

فؤادي يلهثُ خلف ظلّها الظليل

وأغفو كلَّ ليلةٍ على رنين همساتها.

أراها تُزيح الستارة وتنظرُ نحو الطريق

ثم أفتحُ عينيَّ

فأجدُ الصباحَ على نافذتي والشوقَ جالساً بقربي.

ومن خلال ستائر النوافذ الشفّافة

أكادُ أرى اللهَ وملائكته.

أرى وجوهاً تعبرُ الضوء

وأطفالاً يرفعون أكفَّهم إلى سماءٍ واسعة

وأسمعُ دعاءَ أمهاتٍ يرجون لأبنائهنّ يوماً آمناً

ورغيفاً يكفيهم حتى المساء.

في الشوارع البعيدة تتكدّسُ عذاباتُ الفقراء.

يحملُ العاملُ تعبَه إلى البيت

ويجلسُ قرب أبنائه مبتسماً

وتطوي امرأةٌ قلقَها مع ثياب أطفالها.

وحين ترتفعُ أغنياتُهم أسمعُ فيها الدمَ والنار

وأسمعُ أيضاً رغبتَهم في صباحٍ أرفق.

للعصافير الفضاءُ الرحب

تختارُ غصنها وتعبرُ الحدودَ من غير سؤال.

وللسفن والبواخر البحارُ والمحيطاتُ الشاسعة

تغادرُ ميناءً

وتعرفُ أنّ ميناءً آخر سينتظرُ وصولها.

وللفراشات الحقول البساتينُ الفسيحة

تحوم فيها كيفما تشاء

وللخيول الميادينُ الوسيعة

تعدو ما استطاعت

ثم تعودُ إلى مرابطها حين يحلُّ الليل.

أمّا أنا....

فأحملُ وطنَ طفولتي في قلبي

وأمضي به من مكانٍ إلى مكان.

أعرفُ أنه موجودٌ في أسماء القرى

وفي لغة أهلي

وفي وجوهٍ تسألُ عن بعضها بعد غيابٍ طويل.

لكنّي أريدُ وطناً أعيشُ فيه حرّاً طليقاً

أفتحُ فيه بابي من غير خوف

وأقولُ اسمي كما علّمتني أمي

وأزرعُ شجرةً وأثقُ بأنّ أبناءَ أبنائي

سيجلسون يوماً تحت ظلّها.

أريدُ وطناً يصونُ كرامتي وإنسانيتي

إذا عدتُ إليه متعباً وجدتُ مكاناً أضعُ فيه حقائبي

وإذا غنيتُ له عرفَ صوتي

وإذا صمتُّ فهمَ ما عجزتُ عن قوله.

إلى أن يأتي ذلك اليوم سأحتفظُ بحفنةِ الطين،

وأصغي إلى مواويل الأجداد

وأمضي حيث تأخذني الرياح حاملاً اسمي وذكرياتي.

وحين تسألني السنابلُ من أين جئت

سأشيرُ إلى ضفّتَي النهرين وأقول:

من الأرض التي تعلّمتُ فيها كيف يتنفّسُ الترابُ شمسَه

وكيف يبقى للإنسانِ قلبٌ ينبضُ بوطنه

مهما طال الغياب.

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.