
قراءة في رواية كوم النور للكاتبة ريم بسيوني
ذاكرة تاريخ أم تاريخ ذاكرة؟
خديجة جعفر
مذ غادَرَت رواية "كوم النور" للكاتبة التاريخية والأديبة المتميزة: "ريم بسيوني" خشبات مكتبها وجدران مطابع دار "النهضة" في مصر, ووضعت بين يدي القراء, على علم بعضهم وجهل الكثيرين منهم لخفايا شخصية تاريخية تتناولتها الكاتبة بشغف بالغ وبدوافع خفية لطرح أسئلة التغاضي عن بلورة شخصية على هذا القدر من التحدي والإنجازات, لتبدأ مسيرة بحثية أفضت إلى هذا الإصدار الذي يقارب الستماية صفحة من المتعة والتشويق في رواية: "كوم النور" لتجمع "ريم بسيوني" الأوراق والحكايات, تدرس الحقائق, تتجول بين المكتبات والمتاحف, تلتقط خبايا الوثائق المحفوظة في الأرشيفات الوطنية والغربية, حتى تتمكن أن تقبض على سمات الشخصية والحدث والإنجاز كما على الأسرة والعشق لشخص "عباس حلمي الثاني" بأسلوب أدبي تميز بهدوء التسلسل وانسيابية الصور وبقصدية الجملة الفعلية سردا, وإثارة الجملة الإستفهامية تشويقا, لتحصد المتعة وتثير حشرية معرفة من قارئ "كوم النور" وأن تجذبه للاطلاع على تفاصيل حقبة سياسية من حكم خديوي مصر تسلم السلطة وهو في بدايات الثامنة عشر من عمره, حيث كل يوم وكل شهر وكل سنة تشكل فرق وعي مختلف, لحكم يرزح تحت مظلة استعمار إنكليزي, يصادر الموارد كما القرارات السياسية, فتميزت فترة حكمه بالكثير من تناقضات المرحلة تماما كما تشويقها تحت عنوان ثابت, نيةً وتوجهاً: "الوطنية المصرية".
مذ كان طفلا, ولدت معه أنوار السلطة الحرة في القصور الملكية المصرية, رغم شحوب فروض الحرية تحت مظلة استعمار يتخفى خلف ستائر هذه القصور نفسها, هذا ما قررته أمينة هانم, أنه الإبن الأصلح من بين أولادها لاستلام موقع الخديوي, ووالد أنهكته ألاعيب السياسة حد التمارض, فاستلم حلمي الحكم شابا يافعا بعد مسيرة إعداد حاسم ومنظم ليكون خديوي مصر, فينمو حلمه الوطني أسبق من حنكة نضوج سياسي, فحكم بذهنية الشاب المغامر والحالم أكثر قدرات تمكنه من مواجه استعمار دول عظمى في تلك الحقبة الدقيقة من التاريخ.
تعرض بسيوني التاريخ من قلب السرد القصصي. مقلة في ذكر الاتفاقات الدولية, والمعارك العسكرية, او عدد القتلى وسجون المرحلة فتبتعد عن التوثيق فتمد القارئ بتفاصيل الحقبة من خلال سرد لأحداث وتفاصيل حياة يومية عاشها "عباس حلمي الثاني" إن لجهة تنشئته الأسرية, او حين اغترابه فترة التعليم, حتى حين مراهقة وشِمَت بعشق مراهق. لم ينتقص من جمال الرواية إيلاء العرض أهمية على النقد ,موضحة أوائل معالم التناقض بين الفئات العمرية, الأجناس, الإخوة ,المحبة بين أفراد أسرة توجه فردا للسلطة. فحضرت السيرة التاريخية للأحداث السياسية من خلال سرد الحياة الشخصية, بحيث ينطلق الكتاب الحائر توصيفا, بين الوثيقة التاريخية او الرواية الأدبية من مرتكزات المحبة والتعاطف مع الشخصية المذكورة, فكان من تعظيم الشخصية, سؤالا ملزما يتخفى بين السطور, عن سر التغييب من شخصية حكمت مصر في أدق مراحلها, حتى بدت سيرة الخديويي على محدودية فترة حكمه, ساحرة, بقدر الجهد من بحث إجابات السؤال.
كان لريم بسيوني من جملتها الإفتتاحية أن تحدد رؤيتها الخاصة من كتابة التاريخ. حين تقول:
"صاحب الحكاية هو من يرويها وليس فقط من يعيشها, أنتِ زائرة ولست غريبة, الزائر يترك أثرا إذا كان محبا" ..
لنلحظ التقارب في وجهات النظر مع المفكر والفيلسوف: "بول ريكور" في قوله:
"ان سرد الذاكرة هي حاضر الماضي, الزمن يصبح زمنا إنسانيا الى الحد الذي ينظم فيه على نحو سردي"...
فحين تشدد ريم بسيوني على (إذا) الشرطية من موجبات فعل المحبة, فإنها تستوجب نفي التدخل سردا إن لم تكن محبا, ما قد يضعنا في مواجهة بعض المتغيرات من الدراسة التاريخية التي تتطلب الموضوعية والتجرد ليكن توصيف "رواية" مخرجا شيقا من هذه الحيرة. فكانت العين المحبة السردية من "ريم بسيوني" أشد حضورا من العين النقدية المجردة للمرحلة التاريخية حين طرقت أبواب الرواية. ف"عباس حلمي" الحالم الوطني المتعثر بالإستعمار, مهووسا بحب مصر أكثر أحيانا من المصريين أنفسهم, يلتحق بحركات تحررية موجودة قبله, فيدعمها ويعززها. هو القائد الشعبي المنطلق من الأرياف, عمل على الإصلاحات الزراعية وتنمية البيئة الفلاحية لتكون قاعدته الأصلب في مسيرة تحقيق حلمه السياسي. عباس حلمي, خديوي منذ الطفولة, لم يفلت من قيد الموروث, فاحتال على واقع التحرر بزواجه من جاريته وإعلانها الأميرة والدة ولي العهد, في تحد واضح للمنظومة وإيمانا بحرية الجواري لكنه لم يغير القوانين من النظم لتعميمها, فتستمر زوجته الأميرة إقبال الحرة بفضل زواجها من الخديوي بحثا عن أختها الجارية عبر الزمن. يقهره العشق كما قهره الوطن تماما, فبدا في عشقه متحديا, حالما, يذهب نحو مصرنة الغربية (مي) ليجعلها السيدة الأولى دون وعي كاف لعدم قدرة الفرد على التخلي عن شخصيته رغم الحب المجنون, وقد يذهب أعمق مع الفرنسية الفاعلة إجتماعيا وسياسيا (أندريا) وتضحياتها لشخص عباس حلمي أكثر منها قناعات وطنية لخديوي مصري. فكان في عشقه حبيبا هائما يبحث عن نموذج الأنثى الوطنية الذي تجسد في شخص والدته تفانيا وإصرارا, وعن صفاء واتساع حب مع الأخت نعمت الله, وعن الطاعة اللامحدودة في نموذج الجارية إقبال. ليعلمه درس العشق ما لم تعلمه له السياسة بين مهادنة ومواجهة, فمات في مركبه تائها بين الموانئ, لم يحقق سلما ولم يفتح حربا علنية, مستغرقا في المحبة مع شخصية لا تتضح معالمها بين حقيقة أو حلم "أم الشعور", معلنا عن نموذج امراة قادرة على الطاعة والحب الخالص وقدرة المواجهة والنقد البناء, ولاعبة للدور الوطني من المرأة المصرية, التي حلم بها, وقدم لها ما يمكن تحقيقه من مؤسسات تعليمية وجامعات تُخرِج الأجناس بالتساوي ومنح للبعثات العلمية القادرة على بناء الأجيال القادمة من حلم مصر الذي يريده. حلمه الذي أراد له ألا يموت.
"عباس حلمي"الذي اهتم بالبناء والآثار والعمران والنقل كما بالإنسان المواطن, في عين الوثائق والأرشيف, شخصية عابرة, لم تنل حقها إضاءة, لكنه في عين ريم بسيوني يستحق كل الأهتمام والنمذجة. ليبقى سؤال ال"لماذا" من التعتيم برسم القراء بعد إن أتمت ريم بسيوني مهامها البحثية والأدبية حين عرضت إنفعالات وإنجازات وإخفاقات هذه الشخصية التاريخية.
خديجة جعفر
2 – 10 - 2026
