
من يمتلك فنجانك؟ - تأملات في الغضب!!
الدكتور سمير محمد ايوب
الاردن
حكاية مُسْتلّةٌ من كتابي: المرأة وفلسفة القهوة.
ليلتها، لم أنعم بنوم هادئ. ظلَّ شيء في داخلي يؤرّقني، ويقلّب أفكاري كما تقلّب الريح أوراق الشجر اليابسة. ومع بواكير الصباح، حين بدأت الديكة تعلن عن يوم جديد، نهضت أبحث عن جدتي في بيت العائلة الكبير. كنت أحتاج إلى أن أفضفض لها، وأن أضع أمامها ما يثقل صدري، لعلّها تجد في حكمتها ما يعجز قلبي عن العثور عليه.
ناديت عليها في باحة الدار الواسعة، فلم أجدها. ثم تذكّرت الطابون القائم قبالة البيت، ومضيت إليه، فإذا بها هناك، تعجن وتخبز، وتملأ الصباح برائحة الخبز البلدي التي لا تشبهها رائحة.
دخلت عليها مُثقَلًا بالغضب، حتى خُيّل إليّ أن شيئًا في داخلي على وشك الانفجار. ما إن رأتني حتى رفعت عينيها إليّ، وابتسمت ابتسامة مَن يعرف أن وراء الوجوه حكايات لا تُرى. قالت:
ـ ما بك يا ولدي؟ يا فتّاح يا عليم، يا رزّاق يا كريم! ما الذي حدث لك؟
وقفت عند باب الطابون، وأخذت أشرح لها ما حدث، وأسترسل في سرد التفاصيل التي أظنّها أسباب غضبي. كنت أتكلم كثيرًا، وأعيد الحكاية من وجوه مختلفة، كأنني لا أريد منها أن تفهم ما حدث فحسب، بل أن تشاركني غضبي منه أيضًا.
استمعت إليّ دون أن تقاطعني. وحين انتهيت، كانت قد فرغت من خبزها، وجمعت أدواتها، ووضعت أرغفتها الساخنة في لَجَن العجين، ثم غطّتها بقطعة قماش. حملت اللجن على رأسها، وأمسكت بيدي، وقالت بصوت يفيض حنانًا:
ـ هيا يا ولدي، نعود إلى الدار. هناك، مع فنجان من قهوة جدتك، نكمل الحديث عن غضبك.
لم تسألني إن كنت مخطئًا أم محقًّا، ولم تطلب مني أن أهدأ، ولم تحاول أن تقنعني بأن الأمر لا يستحق. اكتفت بأن تأخذ بيدي، كأنها تعرف أن بعض القلوب لا تحتاج، في لحظة اضطرابها، إلى مَن يشرح لها الحياة، بل إلى مَن يمنحها مكانًا آمنًا تستريح فيه قليلًا.
عبرنا البوابة الرئيسية للدار، واتجهنا إلى مقرّ جدتي في البيت الكبير، حيث كانت تجتمع العائلة، وحيث لكل شيء مكانه، ولكل رائحة حكايتها. وضعت الخبز جانبًا، وطلبت مني أن أشعل البريموس، ثم بدأت تجهّز القهوة. وبعد قليل، أخذ عبيرها ينتشر في المكان، كأنه يستدعي الوجوه التي ألفت هذا الصباح.
دخل أبي وأمي مبتسمين. قبّل أبي رأس أمه، وقبّلت أمي يدها، ثم جلسا إلى جوارها. وزّعت جدتي فناجين القهوة علينا، واحتفظت بفنجانها حتى انتهينا من ارتشاف رشفاتنا الأولى. بعدها نظرت إلى والديّ، وقالت:
ـ أريد منكما أن تُنْصِتا لِما سأقوله لولدكما دون مقاطعة. ثم التفتت إليَّ،
وتأمّلت وجهي طويلًا، قبل أن تقول:
ـ يا ولدي، سأحكي لك قصة شاب يشبهك، كان يحمل في صدره من الغضب ما تحمله أنت الآن. وقد نصحه أحدهم بأن يذهب إلى رجل عجوز يعيش في قرية بعيدة، ويُعرَف بالحكمة، لعلّه يجد عنده جوابًا لما يعجز عن فهمه. أريدك أن تذهب إليه اليوم، قبل الغد.
قلت لها بصوت محايد:
ـ سأذهب بعد الإفطار يا جدتي، ولكنني أريد أن أعرف بقية الحكاية.
إبتَسَمَتْ، وأراحَت فنجانَها بين يديها، ثم بدأتْ تقول:
كان الشاب غاضبًا من حياته، ومن الناس، ومن أشياء كثيرة يراها من حوله ولا يستطيع تغييرها. وحين سمع عن الحكيم، قرر السفر إليه، لعلّه يجد عنده ما يعيد إلى نفسه شيئًا من السكينة.
استقلّ سيارة إلى القرية البعيدة، وسأل السائق عن بيت الرجل، فأشار إلى جبل قريب وقال:
ـ ستجده هناك. وإذا حظيت بلقائه، فقد تجد عنده ما تبحث عنه.
ترجّل الشاب، وصعد الجبل سيرًا على الأقدام، حتى بلغ المكان الذي يقيم الحكيم فيه.
أخبروه أن الرجل سيستقبله بعد أن ينتهي من صلاته. انتظر ساعة، ثم ساعتين، ثم ثلاثًا. وكلما مرّ الوقت، كان غضبه يزداد، وكان يُحدّث نفسه بأن هذا الرجل لا يقدّر وقت الآخرين، وأن الحكمة التي يتحدثون عنها لا تبرّر كل هذا الانتظار.
ثم خرجت إليه امرأة عجوز، وأخبرته أن الحكيم سيأتي بعد قليل. انتظر ساعة أخرى، حتى انفتح الباب أخيرًا، وظهر الرجل الذي جاء من أجله. كان بسيط الهيئة، يرتدي ثيابًا عادية، ولا يبدو عليه شيء مما تخيّله الشاب عن الحكماء.
جلس الرجل إلى جواره، ثم سأله بهدوء:
ـ هل ترغب في شرب القهوة؟
نظر إليه الشاب مستغربًا، وكاد أن يجيبه بحدّة. كيف يسأله عن القهوة بعد كل هذا الانتظار؟ ألم يكن الأولى به أن يعتذر أو يشرح سبب تأخيره؟ لكنه ابتلع غضبه، وأجاب:
ـ نعم، تفضّل يا سيدي.
أحضرت المرأة إبريقا من القهوة، تناوله الحكيم وراح يصبّ في فنجان الشاب. امتلأ الفنجان، لكن الرجل استمر في الصبّ، حتى فاض المشروب على حافته، وانساب فوق الطاولة.
انتفض الشاب واقفًا، وقال غاضبًا:
ـ ما الذي تفعله؟ ألا ترى أن الفنجان قد امتلأ؟!
رفع الحكيم عينيه إليه، وقال بهدوء:
ـ لقد انتهى لقاؤنا. عُد إليّ حين يصبح فنجانك فارغًا.
ثم نهض وتركه.
وقف الشاب حائرًا. كان قد قطع كل تلك المسافة، وانتظر ساعات طويلة، وتحمّل ما اعتبره إهانة، ثم ها هو يُطلب منه أن يغادر دون أن يحصل على جواب واحد. لكنه، بعد لحظات، أدرك أنه إذا غادر الآن، فسيعود إلى حياته بالغضب نفسه الذي جاء به. فاقترب من الرجل وقال:
ـ أعتذر إليك يا سيدي. لقد جئتك من مكان بعيد، وأرجو أن تعلّمني شيئًا أستطيع أن أحمله معي في طريق العودة.
نظر إليه الحكيم، وأشار إلى الفنجان الذي فاض بالقهوة، ثم سأله:
ـ أخبرني، كيف كان شعورك وأنت تنتظر كل تلك الساعات؟
قال الشاب:
ـ بدأتُ الانتظار هادئًا، ثم أخذ الغضب يتسلّل إليّ شيئًا فشيئًا، حتى لم أعد أحتمل.
ـ وكيف كان شعورك حين تأخرت عليك مرة أخرى؟
ـ ازداد غضبي، وشعرت بأنني لا أُحْتَرَمْ.
أشار الحكيم إلى الفنجان، وقال:
ـ وحين واصلت صبّ القهوة فيه بعد أن امتلأ، ماذا حدث؟
ـ فاضت القهوى على الطاولة.
صمت الحكيم لحظة، ثم قال:
ـ هذا ما يحدث لنا أحيانًا يا ولدي. نبدأ يومنا ونحن نحمل في داخلنا مساحة من الاحتمال، ثم تأتي المواقف تباعًا، فنحاول أن نستوعبها كلها، ونمنح كل موقف أكثر مما يستحق من تفكيرنا وانفعالنا، حتى نبلغ لحظة لا يعود فيها في داخلنا متّسع لشيء آخر. وحينها لا يكون ما يفيض منّا وليد اللحظة وحدها، بل نتيجة كل ما سبقها وتراكم فيها.
تأمّل الشاب الفنجان، ثم رفع عينيه إلى الحكيم وسأله:
ـ وهل المطلوب أن أبقى هادئًا مهما فعل الناس بي؟
هزّ الرجل رأسه وقال:
ـ لا يا ولدي. ليس المطلوب أن تقبل كل شيء، ولا أن تتظاهر بالرضا عمّا يؤذيك، ولا أن تقنع نفسك بأن الظلم أمر ينبغي احتماله. الغضب ليس عدوّك دائمًا، فقد يأتي ليخبرك أن شيئًا ما تجاوز حدوده، أو أن حقًّا لك قد انتُقص. لكن عليك أن تتعلم كيف تسمع ما يقوله لك غضبك، دون أن تمنحه حقّ اتخاذ القرارات نيابة عنك.
هناك فرق بين أن تغضب لأنك تأذّيت، وأن تجعل الأذى يسكنك حتى يتحوّل إلى طريقة تنظر بها إلى العالم كله. وفرق بين أن ترفض ما لا يليق بك، وأن تسمح لمن أساء إليك بأن يفسد بقية يومك، وربما بقية حياتك.
ثم اقترب الحكيم من الفنجان، وأزاحه عن حافة الطاولة، وقال:
ـ لا أطلب منك أن تجعل فنجانك فارغًا دائمًا، فالحياة لا تسألنا إن كنا مستعدين قبل أن تسكب في أيامنا ما تشاء. لكنني أريدك أن تعرف متى امتلأت، وأن تدرك متى تحتاج إلى التوقف، ومتى عليك أن تفرغ بعض ما تراكم في داخلك، ومتى ينبغي أن تبتعد عن الطاولة كلّها. فليس كل ما يسكبه الآخرون في حياتك واجبًا عليك أن تحتفظ به.
سكتت جدتي، وأخذت ترتشف ما تبقّى في فنجانها. كنت أستمع لها، وأشعر أن الحكاية التي جاءت لتشرح غضبي بدأت تكشف لي أشياء أخرى لم أكن أفكر فيها ...
فسألتُها بحيرةٍ:
ـ وهل تعلّم الشاب الدرس يا جدتي؟!
ضحكت بوقار بيِّنٍ، وهي تقول:
ـ دعني أكمل لك.
نهض الشاب، وقد شعر بأنه بدأ يفهم شيئًا مما جاء يبحث عنه. شكر الحكيم، وهمّ بالمغادرة، لكن العجوز ناداه ليقول له:
ـ تمهّل يا عزيزي، لقد نسيت أن تدفع لي ألف دينار أجرة الدرس.
تجمّد الشاب في مكانه. وعاد الغضب إلى وجهه، وشعر أن كل ما سمعه قبل لحظات يتبخّر أمام هذا الطلب الغريب. ألف دينار مقابل حديث قصير؟ وبعد كل ما تحمّله من انتظار وإهانة؟ كاد ينفجر، ثم توقف. نظر إلى الرجل، ونظر إلى الفنجان، وعاد يسأل نفسه: هل يستحق هذا الموقف أن أفقد من أجله هدوئي مرة أخرى؟ وهل يعني ضبط النفس أن أقبل ما لا أراه عادلًا؟ أم أن بإمكاني أن أرفض دون أن أتحوّل إلى نسخة أخرى من غضبي؟! رفع رأسه وقال بهدوء:
ـ يا سيدي، جئت إليك أطلب الحكمة، لا أن أشتريها بهذا المبلغ. إن كان هذا أجرًا متفقًا عليه، فأخبرني بذلك، وإن لم يكن، فلا أستطيع أن أدفع ما لم أتفق عليه!
ابتسم الحكيم، وقال:
ـ الآن بدأت تفهم. فالحكمة ليست أن تبتلع اعتراضك، ولا أن تسمح للآخرين بتجاوز حدودك كي تثبت أنك هادئ. الحكمة أن تعرف كيف تقول «لا» دون أن تفقد نفسك، وكيف تدافع عن حقك، دون أن يتحوّل دفاعك إلى معركة مع العالم كله.
خرج الشاب من عند العجوز، ولم يكن قد صار إنسانًا لا يغضب، لكنه صار أكثر وعيًا بما يحدث داخله حين يغضب. ولعلّ هذا كان كل ما يحتاج إليه.
حين انتهت جدتي من الحكاية، ساد صمت قصير. كان أبي ينظر إلى فنجانه، وكانت أمي تتأمّل جدتي، أما أنا، فكنت أفكر في عدد المرات التي سمحت فيها لموقف عابر أن يسرق مني يومًا كاملًا، ولشخصٍ أساء إليّ أن يستولي على مساحة أكبر داخل رأسي، ولحدث انتهى منذ زمن أن يواصل العيش في داخلي كأنه يحدث الآن.
كم مرة لم يكن يؤلمني ما حدث، بقدر ما كان يؤلمني أنني ظللت أستعيده، وأعيد محاكمته، وأمنحه في كل مرة فرصة جديدة ليؤذيني؟ وكم مرة حملت غضبي من موقف إلى موقف، حتى عاقبت به أشخاصًا لم يكونوا طرفًا فيما حدث؟
لكن سؤالًا آخر ظلّ يُلحّ عليّ: هل نستطيع حقًّا أن نمنع الحياة من مَلءِ فناجيننا؟ وهل نحن مسؤولون وحدنا عن كل ما يفيض منها، مهما كانت الظروف التي أوصلتنا إلى حافتها؟ أدركتُ أنّ الأمر ليس بهذه البساطة.
فثمة أوجاع لا تنتهي بمجرد أن نقرر التوقف عن التفكير فيها، وخيبات لا يطفئها فنجان قهوة، وخسارات تحتاج إلى وقت طويل حتى نتعلم كيف نحملها دون أن تنكسر أرواحنا تحت ثقلها.
وثمة أشخاص لا يكفي أن نضبط انفعالاتنا معهم، بل علينا أن نضع بينهم وبين قلوبنا مسافة، وأن نغلق أبوابًا ظللنا نتركها مفتوحة، ظنًّا منا أن التسامح يقتضي أن نسمح للأذى بأن يتكرر. لهذا لم أعد أرى أن الحكمة تكمن في إبقاء الفنجان فارغًا، ولا في محاولة الظهور بمظهر الإنسان الذي لا يغضب ولا يتألم.
الحكمة، كما بدأت أفهمها، أن أعرف نفسي جيدًا، وأن أميّز بين غضبٍ يستحق أن أستمع إليه، وغضبٍ يستهلكني دون أن يغيّر شيئًا، وبين ألمٍ يحتاج إلى أن أواجه أسبابه، وألمٍ لا أستطيع تغيير ما حدث فيه، لكنني أستطيع أن أتعلم كيف أعيش بعده.
أن أسمح لنفسي بالحزن دون أن أعتذر عنه، وبالغضب دون أن أتركه يقودني، وبالابتعاد حين يصبح القرب أذًى، وبالمواجهة حين يكون الصمت تنازلًا عن حقي. فليس المطلوب أن نصبح بلا مشاعر، بل أن نكون أصحاب القرار في ما نفعله بمشاعرنا.
وأنتَ، نعم أنتَ، َمن يَملِكُ فنجانك؟!
تخيّل أنك استيقظت صباحًا وأنت في غاية السعادة. دخلت الحمام، فلم تجد ماءً. بدأت تنزعج. ثم عاد الماء، لكنه انقطع مجددًا قبل أن تنتهي. خرجت متأخرًا، فوجدت سيارتك لا تعمل. وبعد محاولات، انطلقت إلى عملك، لتوقفك الشرطة في الطريق، ثم تصل إلى مكتبك، فيستقبلك المدير بعبارة جافة: الآن أتيت؟ لقد تأخرت.
قد تشعر أن يومك قد انقلب رأسًا على عقب، وأن كل شيء يتآمر على أعصابك. لكن ماذا لو أكمل المدير حديثه قائلًا إنه كان يبحث عنك ليهنئك بترقية طال انتظارها؟ ألن يتغير شعورك في لحظة؟
وماذا لو بعد دقائق من فرحتك، وصلك خبر مؤلم عن احتراق بيتك؟!
هكذا تتأرجح مشاعرنا بين لحظة وأخرى. يرتفع الفرح وينخفض، ويأتي الخوف ليزاحمه، ثم يطلّ الأمل من نافذة لم نكن نراها.
غير أن السؤال ليس كيف نجعل الحياة تسير وفق ما نريد، فالحياة لم تمنح أحدًا هذا الوعد، وإنما كيف نحافظ على شيء من اتزاننا، حين لا تسير الأمور كما نشتهي ...
كيف لا نسمح لتعطّل سيارة أن يعطّل يومنا كله، ولا لكلمة جارحة أن تتحوّل إلى حكم نهائي على قيمتنا، ولا لخيبة واحدة أن تقنعنا بأن كل ما ينتظرنا في الحياة خيبة أخرى؟
وكيف، في المقابل، لا نخدع أنفسنا بالهدوء حين نكون في حاجة إلى الاعتراض، ولا نسمّي الاستسلام حكمة، ولا نطلب من المتألم أن يبتسم لمجرد أن الابتسام يبدو أكثر راحة لمن حوله؟
إن الوعي بمشاعرنا لا يعني أن نتحكم في كل ما نشعر به، فنحن لا نختار دائمًا ما يطرق أبوابنا من حزن أو خوف أو غضب، لكننا نستطيع، مع الوقت والتجربة، أن نتعلم كيف نستقبل هذه المشاعر، وكيف نفهم رسائلها، وكيف نمنعها من أن تتحوّل إلى أفعال تضرّ بنا وبمن نحب.
وإذا كان فنجاننا قد امتلأ حتى فاض، فليس عيبًا أن نعترف بأننا لم نعد نحتمل، أو أن نطلب المساعدة، أو أن نبتعد قليلًا حتى نستعيد قدرتنا على الرؤية بوضوح. فحتى أكثر القلوب صبرًا تحتاج إلى مَن يصغي إليها، وحتى أكثر الأرواح قوة تحتاج أحيانًا إلى استراحة من معاركها.
أفكر أحيانًا في فنجان جدتي، وفي يديها اللتين كانتا تحملان الخبز وتعدّان القهوة، وفي طريقتها البسيطة في احتواء غضبي، دون أن تنكر أسبابه أو تطلب مني أن أتظاهر بأنني بخير. ربما لم تكن تريد أن تعلّمني كيف أفرغ فنجاني فحسب، بل كيف أكون أرحم بنفسي، وكيف لا أترك للعالم أن يحدد لي، في كل صباح، مقدار السلام الذي أستحقه.
فالحياة ستظل تسكب في فناجيننا ما لم نحسب له حسابًا، وستمنحنا أفراحًا لم نطلبها، وتضع أمامنا أحزانًا لم نستعد لها، وترسل إلينا أشخاصًا يوسّعون أرواحنا، وآخرين يتركون فيها شقوقًا لا تُرى.
ولن نستطيع دائمًا منع القهوة من أن تفيض، لكننا نستطيع أن نتعلم متى نرفع الفنجان عن الطاولة، ومتى نبتعد عمّن يواصل الصبّ رغم توسلاتنا، ومتى نمدّ أيدينا إلى مَن يساعدنا على تنظيف ما انسكب.
فليس النضج أن نحتمل كل شيء، ولا الحكمة أن نبقى هادئين مهما بلغ الأذى، بل أن نعرف ما يستحق أن نحتمله، وما ينبغي أن نواجهه، وما آن أوان تركه خلفنا.
ولا تسمح لأحد أن يملأ فنجانك حتى يفيض، ولا تترك غضبك يملأه عنك. تعلّم أن تصغي إلى قلبك، وأن تحمي حدودك، وأن تمنح نفسك حق الشعور وحق الاختيار.
ففي النهاية، ليست المسألة كمّ ما تضعه الحياة في فناجيننا، بل ما إذا كنا سنبقى أسرى لما انسكب منها، أم سنمتلك الشجاعة لنرفع الفنجان، وننظّف الطاولة، ونبدأ من جديد.
املأ فنجانك بما يستحق أن يبقى فيك، واترك للحياة ما لا يستحق أن يسكنك.
الاردن – 15 /10 /2026
