
أوراق القلب (*) (7)- نقْشٌ على جدار الروح
صالح مهدي محمد
إليكِ... في المدى السحيق الذي لا يطالُه نسيان، وفي المساحةِ العميقة الساكنة في أقاصي الروح، حيث تتساقطُ كلُّ الأسماءِ والعناوين، وتتلاشى الوجوه والأحداث كأنها هباءٌ، ليبقى اسمُكِ وحدهُ شاخصًا في الذاكرة؛ كأنه نقشٌ سومريٌّ على حجرٍ لا يُمحى، وضوءٌ أزليٌّ لا يرتدُّ عنه النظر ولا يغشاه الفتور.
أتدرين كيف يولد الشوقُ في غفلةٍ من الوقت؟ كيف يبتدئ الحنين سارقًا هدوءَ الثواني؟ كأن يمرَّ طيفُكِ على فكرةٍ عابرةٍ تشغل البال، فتتحول الساعاتُ كلُّها ــ منذ تلك اللحظة ــ إلى انشغالٍ تامٍّ ومطلقٍ بملامحكِ، وبطريقةِ ابتسامتكِ، وبصوتكِ الذي يتردد كصدىً عذبٍ في ممرات الذهن. وكأن العالمَ بكلِّ ضجيجهِ وسكناته، بمدنه الصاخبة وحشوده العابرة، ينسحبُ هادئًا إلى الخلف، مفسحًا لكِ الطريق، ويترك الميدانَ كلَّه لحضوركِ البهيِّ الذي يطغى على كلِّ ما عداه من وجود.
أكتبُ إليكِ هذه الورقة وفي الصدرِ ازدحامٌ من الكلمات التي لم تعد تسعها اللغات، عباراتٌ تتزاحمُ كالحمام الأبيض عند أعتاب الفجر؛ تخشى أن تغادر الشفاهَ دون أن تلامس رِقَّةَ قلبكِ، فتسقط مُجرَّحةً، وتخشى في الوقت ذاته أن تظلَّ سجينةً في عتمة الصمت، فتذوبَ رويدًا رويدًا في لهيب الانتظار.
كان المطرُ يتساقطُ باردًا وهادئًا على السقف، والريحُ تُداعبُ زجاجَ النوافذِ بإيقاعٍ رتيبٍ يشبه همس المغامرين، لكنني وسط كل هذا البرد كنتُ أشعرُ بدفءِ يدكِ يلتفُّ حول أفكاري كحريرٍ دافئ، كأنه غطاءٌ يَقيني وحشةَ الليل وحدَّةَ الذهول، ويحميني من التشتت في دروب الفكر. أنتِ السكينةُ التي تسبقُ الصحو، والدهشةُ الأولى التي لا يطالُها الاعتياد ولا يقتلها التكرار.
لستِ مجرد حدثٍ عابرٍ جرى في زحام الحياة، ولا منصةً استرحتُ عليها لبعض الوقت؛ بل أنتِ التاريخُ الجديدُ الذي بدأ تقويمه منذ عرفتُكِ، والوطنُ الحقيقي الذي ألوذُ إليه كلما أرهقني الترحالُ في المسافات الخالية، وشقَّ عليَّ البحثُ عن معنى وغاية وسط هذا الذهول الممتد.
كلما حاولتُ اختصارَكِ في السطور، أو تأطير ملامحكِ بين قوسين، أدركتُ أن الحبَّ أوسعُ من أن تحيط به فكرةٌ، وأن المعنى يتفلتُ بذكاءٍ من بين الحروف كلما اقتربتُ من وصف روعتكِ. كيف يمكن لأبجديةٍ محدودة الحروف، ضاقت معانيها، أن تسعَ لهفةً بحجم هذا الفضاء المفتوح؟ وكيف يمكن لورقٍ جامد أن يحمل حرارةَ نبضٍ يتسارعُ بجنون كلما خطرتِ على البال؟
إنني أقفُ أمام عينيكِ كما يقفُ الغريبُ العائد بعد دهرٍ عند مشارف مدينته الأولى؛ في حالةٍ متداخلةٍ بين الذهول واليقين، بين الخوفِ القديم من الفقدِ والامتنانِ العميق لهذا الوجود الذي جمعني بكِ.
في كلِّ ليلةٍ أسترق فيها الهدوء، أقرأُ تفاصيلَكِ في سكونِ المكان؛ أراكِ متجسدةً في ضوء المصباح الخافت الذي يضيء زاوية مكتبي، وفي الصفحةِ الأخيرة من كل كتابٍ أطويه، كأنكِ الخاتمة الجميلة لكل الحكايات، وفي الصوت الإنساني الناعم الذي يمرُّ عبر المدى ليُعيد للروح توازنها المفقود.
غيابُكِ ــ ولو لبرهةٍ ــ يملأُ الجهاتِ الأربع بأسئلةٍ معلقةٍ في الهواء لا إجابة لها، وحضورُكِ وحده هو الكفيلُ بإغلاق كل الثغرات، ولملمة أشتات الروح، وإعادة ترتيب هذه الفوضى التي تملأ العالم من حولنا.
أوراقي هذه ليست سوى صلاةٍ خفيةٍ في محراب هواكِ، محاولةٌ لترتيب الدهشة، لقول ما يتوارى حياءً خلف الصمت، ولإبقاء هذه اللهفة حيّةً، متجددةً، وشابةً، كما بدأت أول مرة حين التقت النظرةُ بالنظرة، وانحلَّ عقد اللسان، واتسعَ العالمُ المتخيَّل كلُّه ليصبح ربيعًا لقلبينا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) الرسالة (7) من كتاب » أوراق القلب... رسائل حب«، كتاب مخطوط
